في خضم التصعيد العسكري والتوترات المتزايدة في الشرق الأوسط، يخطئ كثير من المراقبين حين يختزلون الصراع الدائر في مجرد مواجهة تقليدية بين الولايات المتحدة وإيران أو في محالة لإسقاط نظام سياسي في طهران. فالحروب الكبرى في التاريخ لم تكن في الغالب معارك محدودة الأهداف، بل كانت محطات فاصلة لإعادة تشكيل التوازنات الدولية ورسم خرائط النفوذ الجيوسياسي من جديد. ومن هذا المنطلق، فإن ما يجري اليوم في محيط إيران وفي الخليج العربي لا يمكن فهمه خارج سياق التحولات العميقة التي يشهدها النظام الدولي، حيث تتقاطع المصالح الاستراتيجية للقوى الكبرى مع طموحات القوى الإقليمية في لحظة تاريخية شديدة التعقيد.
إن الاعتقاد بأن الولايات المتحدة، سواء في عهد الإدارات السابقة أو خلال مرحلة الرئيس الأمريكي ترامب الحالية تسعى فقط إلى إسقاط النظام الإيراني قد يكون قراءة قاصرة لطبيعة الاستراتيجية الأمريكية في المنطقة. فالسياسة الأمريكية لطالما اعتمدت على مبدأ إعادة تشكيل الأنظمة وليس تدمير الدول، وعلى توظيف القوى الإقليمية ضمن منظومة مصالح أوسع تخدم التوازنات الدولية. ولذلك فإن الهدف الحقيقي قد لا يكون القضاء على إيران كدولة ذات ثقل حضاري وجغرافي واستراتيجي، بل إعادة صياغة دورها في الإقليم بطريقة تجعلها جزءاً من منظومة الأمن الإقليمي التي تتشكل تدريجياً في الخليج.
التاريخ السياسي للمنطقة يقدم شواهد عديدة على هذه المقاربة. فقد لعبت إيران خلال حقبة سابقة دور “شرطي الخليج” في إطار الاستراتيجية الأمريكية الرامية إلى ضمان استقرار المنطقة وتأمين تدفق الطاقة إلى الأسواق العالمية. واليوم، في ظل التحولات العميقة التي تشهدها المنطقة، قد تسعى واشنطن إلى إعادة إنتاج هذا الدور بصيغة مختلفة، عبر احتواء نظام إيراني جديد قادر على الانخراط في معادلات إقليمية أكثر توازناً، مع الحفاظ على البنية الاستراتيجية للدولة الإيرانية التي تمثل أحد أعمدة الاستقرار الجغرافي والسياسي في غرب آسيا.
وفي المقابل، يخطئ من يعتقد أن دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية تقف موقفاً موحداً رافضاً للحرب مع إيران. فالمعادلة الأمنية في الخليج أكثر تعقيداً من مجرد موقف سياسي معلن. فدول الخليج وجدت نفسها خلال السنوات الأخيرة أمام تحديات أمنية واقتصادية غير مسبوقة، بدءاً من التوترات الإقليمية المتصاعدة وصولاً إلى سباقات التسلح المكلفة والضغوط الاقتصادية الناتجة عن حالة عدم الاستقرار المستمرة في المنطقة. هذه التحديات دفعت كثيراً من العواصم الخليجية إلى إعادة تقييم استراتيجياتها الدفاعية والأمنية، في ظل إدراك متزايد بأن التوازنات الإقليمية قد تشهد تغيرات عميقة خلال السنوات المقبلة.
أما الاعتقاد بأن الولايات المتحدة لن تنخرط في مواجهة مباشرة مع إيران فهو أيضاً تقدير قد لا يصمد أمام حسابات المؤسسة العسكرية الأمريكية. فالتقارير الصادرة عن خبراء عسكريين وجنرالات سابقين تشير إلى أن أي حرب واسعة مع إيران قد تكلف واشنطن ما يقارب مليار دولار يومياً، وهو رقم يعكس حجم الاستنزاف المالي والعسكري الذي يمكن أن تفرضه مواجهة بهذا الحجم. فالحروب الحديثة لم تعد مجرد معارك ميدانية، بل أصبحت حروباً اقتصادية ولوجستية تستنزف القدرات العسكرية والمالية للدول الكبرى.
ومن هذا المنطلق، فإن حرباً محتملة مع إيران لا تعني فقط استنزاف الموارد الأمريكية، بل قد تؤدي أيضاً إلى استنزاف مخزونات الذخيرة والقدرات العسكرية في وقت تواجه فيه الولايات المتحدة تحديات استراتيجية في مناطق أخرى من العالم. فواشنطن لا تزال منخرطة في إدارة أزمات دولية معقدة، من بينها الحرب في أوكرانيا والتوتر المتصاعد حول تايوان، وهي ملفات تشكل بدورها جزءاً من الصراع الأوسع بين القوى الكبرى على النفوذ العالمي.
وفي هذا السياق، فإن الصمت النسبي الذي تبديه كل من روسيا والصين تجاه التصعيد في إيران لا يمكن تفسيره ببساطة على أنه موقف حيادي. فالعلاقات الدولية في عالم اليوم تقوم في كثير من الأحيان على تفاهمات غير معلنة ومقايضات استراتيجية بين القوى الكبرى، حيث يتم تبادل النفوذ في بعض الملفات مقابل تخفيف الضغوط في ملفات أخرى. ولذلك يرى بعض المحللين أن ما يجري في إيران قد يكون جزءاً من لعبة توازنات دولية أوسع، تتقاطع فيها مصالح القوى الكبرى في لحظة إعادة تشكيل النظام العالمي.
لكن الخطأ الأكبر في قراءة المشهد الجيوسياسي يتمثل في الاعتقاد بأن إيران هي الهدف النهائي لهذه المواجهة. فالكثير من التحليلات الاستراتيجية تشير إلى أن الصراع الحالي قد يكون مجرد مرحلة ضمن عملية أوسع لإعادة رسم خرائط النفوذ البحري والتجاري في العالم. وفي هذا الإطار تبرز تركيا كلاعب جيوسياسي محوري، نظراً لموقعها الاستراتيجي الذي يربط بين أوروبا وآسيا وسيطرتها على مضيق البوسفور، أحد أهم الممرات البحرية في العالم الذي يربط البحر الأسود ببحر مرمرة ويشكل شرياناً حيوياً للتجارة الدولية وحركة الطاقة.
إن التحكم في هذا المضيق أو التأثير في معادلاته الجيوسياسية يمنح أي قوة دولية قدرة هائلة على التأثير في حركة التجارة والطاقة بين الشرق والغرب. ولذلك فإن كثيراً من الاستراتيجيين يرون أن الصراعات الجارية في محيط الشرق الأوسط قد تكون جزءاً من معركة أوسع للسيطرة على الممرات البحرية العالمية التي تشكل العمود الفقري للاقتصاد الدولي.
وفي المقابل، فإن الرهان على أن الضربات الجوية وحدها قادرة على إسقاط النظام الإيراني يبدو رهاناً غير واقعي. فالتجارب العسكرية الحديثة أثبتت أن الأنظمة السياسية التي تمتلك بنية أمنية وعسكرية متماسكة نادراً ما تنهار بفعل القصف الجوي فقط. فإسقاط نظام سياسي يتطلب عادة اجتياحاً برياً واسع النطاق أو حدوث انقسامات داخلية في المؤسسة العسكرية أو السياسية، وهي سيناريوهات تبدو معقدة للغاية في الحالة الإيرانية.
فالنظام في إيران يتمتع ببنية مؤسساتية مركبة تجمع بين مؤسسات الدولة التقليدية والأجهزة الأمنية والعسكرية التي تمتلك نفوذاً كبيراً داخل المجتمع. وهذه البنية تمنح النظام قدرة على امتصاص الصدمات والاستمرار في الصمود حتى في ظل ضغوط عسكرية واقتصادية كبيرة.
وفي خضم هذه التحولات الكبرى، تبرز الجزائر كفاعل إقليمي يمتلك خصوصية استراتيجية في معادلات الطاقة والأمن في منطقة المتوسط. فمخطئ من يعتقد أن الجزائر تقع ضمن دائرة الاستهداف في هذه المرحلة. فالجزائر تمتلك من عناصر المناعة السياسية والبراغماتية الدبلوماسية ما يجعلها قادرة على التكيف مع التحولات الدولية المتسارعة. كما أن موقعها الجغرافي الاستراتيجي، إضافة إلى مواردها الطاقوية المهمة، يمنحها دوراً متزايد الأهمية في معادلات أمن الطاقة العالمية.
فأوروبا التي تواجه تحديات متزايدة في مجال الطاقة تبحث باستمرار عن شركاء موثوقين قادرين على توفير مصادر مستقرة للطاقة، وهو ما يمنح الجزائر فرصة لتعزيز مكانتها كشريك استراتيجي في سوق الطاقة الدولية. كما أن السياسة الخارجية الجزائرية التي تقوم على مبدأ عدم الانحياز والبحث عن التوازن في العلاقات الدولية تمنحها هامشاً واسعاً للمناورة في عالم يشهد تحولات جيوسياسية متسارعة.
إن ما يجري اليوم في الشرق الأوسط ليس مجرد صراع عسكري محدود، بل هو جزء من عملية إعادة تشكيل كبرى لموازين القوى في العالم. صراع تتداخل فيه المصالح العسكرية مع الحسابات الاقتصادية، وتتقاطع فيه طموحات القوى الإقليمية مع استراتيجيات القوى الكبرى. وفي مثل هذه اللحظات التاريخية، تصبح قراءة الأحداث بعمق ضرورة لفهم الاتجاهات المستقبلية للنظام الدولي.
فالعالم يقف اليوم على أعتاب مرحلة جديدة قد تعيد رسم خرائط النفوذ السياسي والاقتصادي لعقود قادمة، حيث تتغير التحالفات وتتشكل موازين قوى جديدة في ظل تنافس محتدم بين القوى الكبرى على السيطرة على الممرات البحرية ومصادر الطاقة والأسواق العالمية.
ومن هنا فإن فهم ما يجري في إيران وفي محيطها الإقليمي لا يقتصر على متابعة تطورات الصراع العسكري فحسب، بل يتطلب قراءة شاملة لمجمل التحولات الجيوسياسية التي يشهدها العالم. فالحرب في الشرق الأوسط قد تكون في جوهرها جزءاً من معركة أوسع لإعادة ترتيب النظام الدولي، وهي معركة لن تحدد فقط مستقبل المنطقة، بل قد تحدد أيضاً شكل العالم في العقود القادمة.







