الشعبوية وأزماتها المتفاقمة في العالم:

بقلم: عماد خالد رحمة_ برلين.

استُعمِل مصطلح (الشعبوية) كثيراً في الأوساط السياسية والفكرية في الوقت الراهن للإشارة إلى اتجاهات فكرية متعددة، وممارسات اجتماعية مختلفة ومختلطة، وخطابات ترتبط بتوجهات وتيارات فكرية وسياسية وحزبية ضيقة، تحيل في الغالب إلى القدحية المبالغ فيها والديماغوجية. ففي الخطاب الشعبي غالباً ما يختلط مصطلح الشعبوية بمفاهيم أخرى، كالغوغائية التي هي سياسة تتملّق الجماهير لاستغلال مشاعرها وأحاسيسها وكسب ودّها، والاستحواذ على إرادتها. وغالباً ما يمارس الغوغائية المرشحون للانتخابات. كما تُشير أحياناً إلى حالة سياسية تكون فيها السلطة بيد الجماهير. ويُطرح مصطلح الشعبوية عموماً بوصفه شيئاً يُخشى منه ومشكوكاً فيه، وغالباً ما يُطبَّق على الحركات والفعاليات التي تُعد خارج التيار السياسي الرئيس أو تهديداً مباشراً للديمقراطية.
والواقع أنه، بالعودة إلى القواميس والمعاجم العربية والدولية في هذا الشأن، نجد أن المصطلح يحيل إلى الشعب وإلى الاتجاهات الفكرية التي تنحو إلى الموضوعية والواقعية في تناول قضايا المجتمع، والتوجه بصورة مباشرة ومبسطة بالخطاب إلى الجمهور، أو السعي لتعبئة المجتمع وحشده في مواجهة نظام سياسي قائم وطبقات سياسية ترفض التغيير والتطوير والتحديث، من خلال المراهنة على الزعيم البطل والقائد الفرد المنقذ بوصفه سبيلاً لتجاوز مختلف الإحباطات والهزائم.
وفي الأغلب الأعمّ يبدو أن ظهور هذه النزعات يرتبط بأزمة مرحلية آنية أو مؤقتة يفرزها التحول السياسي للدول التي تشهد انتقالات سياسية وتغييراً في الحكومات. وقد اقترن المفهوم بالتحولات السياسية الكبرى في العالم، بخاصة تلك التي شهدتها أمريكا اللاتينية منذ ثلاثينات وأربعينات القرن الماضي مع رئيس جمهورية الأرجنتين لفترتين خوان دومينغو بيرون (Juan Domingo Perón) (1895–1974)، الذي حاول إقناع الطبقات الفقيرة من الشعب بسياساته، وكذلك مع الزعيم الفنزويلي الراحل هوغو تشافيز (Hugo Chávez) (1954–2013)، رئيس فنزويلا، ومع الرئيس الأمريكي السابق دونالد جون ترامب (Donald John Trump).
ومع تطور تكنولوجيا الاتصال الحديثة استطاعت هذه التيارات أن تبلور خطاباً تواصلياً جديداً ومميزاً، تمكّنت من خلاله من النفاذ إلى المجتمع وإدخال جملة من المفاهيم والأفكار إلى عقول الناس، متجاوزةً أزمة التواصل السياسي التي طبعت لعقود عديدة علاقة الأحزاب والنخب الحزبية التقليدية بالمجتمع وطموحاته ومتطلباته.
وعلى هذا الأساس فإن الشعبوية ترتبط، باعتبارها إيديولوجية ضعيفة التمركز، بإيديولوجيات شديدة التمركز يديرها السياسيون الشعبويون. وبالتالي يمكن أن تندمج الشعبوية مع أشكال مختلفة من القومية أو الاشتراكية أو الليبرالية أو المحافظة أو الفدرالية. ووفقاً لما قاله الفيلسوف الأمريكي ستانلي لويس كافيل (Stanley Louis Cavell) فإن «الضعف الذي تتسم به الشعبوية يتيح لها أن تصبح إيديولوجية متكاملة في ظل الممارسة العملية، فهي لا تتداخل مع نفسها بقدر ما تنتشر داخل مختلف الإيديولوجيات».
ووفقاً للباحثين مودي وروفيرا كالتواسر تُعد الشعبوية «نوعاً من الخرائط الذهنية أو العقلانية التي يحلل الأفراد من خلالها الواقع السياسي ويدركونه». وقد أشار مودي إلى أن الشعبوية «أخلاقية لا تصويرية». وتحرّض الشعبوية نظرة مزدوجة متشائمة ينقسم فيها العالم إلى أصدقاء وأعداء فقط؛ بمعنى أنه لا يوجد مجال للحياد، إذ لا يُنظر إلى الآخرين بوصفهم أشخاصاً يمتلكون أولويات وقِيَماً مختلفة، بل يُنظر إليهم أساساً بوصفهم أشراراً. وفي التأكيد على نقاء الشعب ضد فساد النخب ولا أخلاقيتها، ينبغي – بحسب هذا الخطاب – أن يبقى الشعب نقياً منها وبمنأى عنها كي لا يُصاب بعدواها، الأمر الذي يمنع التسوية بين مختلف المجموعات الاجتماعية على تنوع مشاربها واتجاهاتها.
وفي الأغلب الأعم تقوم الشعبوية على رفض سلطة الأثرياء والنخب وما يُسمّى بالصفوة والشركات الكبرى. ويرى بعض الباحثين أن روادها يخاطبون عواطف الأفراد أكثر من عقولهم، الأمر الذي يسهل التأثير فيهم وتوجيههم. وقد استغلت هذه التيارات استياء فئات اجتماعية واسعة من الأوضاع الاقتصادية والسياسية والاجتماعية القائمة، وكذلك من تراجع الثقة بالنخب التقليدية وقادة الأحزاب والجمعيات الكبرى، إضافة إلى ضعف أداء الأحزاب السياسية في عدد من الأقطار في الترويج لأفكارها وطرح مشاريعها.
ومن الأمور الواضحة أن الاتجاهات الشعبوية تسعى إلى الحد من حضور النخب ورجال الفكر والسياسة داخل المجتمع، إذ ترى أن استئثار هذه النخب بالسلطة يكون في كثير من الأحيان على حساب فئات اجتماعية أخرى واسعة. وربما كان هذا ما يمنح خطابها التحريضي قدراً من القبول لدى بعض الفئات الفقيرة والمهمشة في المجتمع، التي تعاني من التمييز والتهميش. وغالباً ما تقدم هذه التيارات إجابات مبسطة وسهلة ظاهرياً لكنها عامة وغير عقلانية حول عدد من القضايا المعقدة في المجتمع والدولة، ولا تتوانى عن توظيف نظرية المؤامرة بكثافة لتفسير العديد من الأزمات والأحداث السياسية والاقتصادية والاجتماعية. بل قد تصل تصريحاتها وبياناتها أحياناً إلى حد إطلاق الشائعات على نطاق واسع، بما يؤدي إلى تضليل الرأي العام وتشويه الحقائق.
ويُعرف النهج الأكثر شيوعاً في تعريف الشعبوية بـ النهج التصوري، الذي يؤكد أن الشعبوية ينبغي تعريفها وفقاً لمنظومة من الأفكار والمفاهيم، لا وفق سياسات اقتصادية محددة أو أساليب قيادية بعينها. وفي إطار هذا التعريف يُطبّق مصطلح الشعبوية على مجموعات سياسية وأفراد يوجّهون خطاباتهم ونداءاتهم إلى الشعب، ويضعون أنفسهم في مواجهة النخب.
وبهذا المعنى يعرّف ألبرتازي وماكدونيل الشعبوية بأنها إيديولوجية «تحرّض شعباً فاضلاً ومتجانساً ضد مجموعة من النخب أو الآخرين الذين يُصوَّرون على أنهم يحرمون الشعب ذي السيادة من حقوقه وقيمه وهويته وازدهاره».
وعلى نحو مماثل عرّف عالم السياسة كارلوس دي لا توري (Carlos de la Torre) الشعبوية بأنها «خطاب مانوي يفصل بين السياسة والمجتمع بوصفه صراعاً بين معسكرين لا يمكن التوفيق بينهما: الشعب من جهة، والنخبة الحاكمة من جهة أخرى».
وفي إطار هذا المفهوم لاحظ مودي وروفيرا كالتواسر أن فكرة الشعبوية تتضمن دائماً انتقاد المؤسسة والدولة ومجاملة عامة الشعب. كما يرى الباحث بن ستانلي أن الشعبوية هي نتاج «علاقة عدائية محضة بين الشعب والنخب»، وهي كامنة حيثما يوجد احتمال لظهور هذا الصراع. كذلك اقترح عالم السياسة مانويل أنسيلمي تعريف الشعبوية بأنها رؤية لمجتمع متجانس يرى نفسه صاحب السيادة الشعبية المطلقة ويُبدي موقفاً مناهضاً للمؤسسة والدولة.
وقد استُخدمت هذه المفاهيم بداية على نطاق واسع في أوروبا الغربية، قبل أن تنتشر لاحقاً في أوروبا الشرقية والأمريكتين. ووفقاً لهذا النهج توصف الشعبوية بأنها إيديولوجية ضعيفة التمركز، أي أنها تقدم تصوراً محدوداً للتغيير الاجتماعي مقارنة بالإيديولوجيات الكبرى مثل الفاشية والاشتراكية والليبرالية التي تقدم رؤى أكثر شمولاً حول التحول الاجتماعي.
وإذا عدنا إلى عمق التاريخ وجدنا أن للشعبوية حضوراً واضحاً منذ العصور القديمة. ففي اليونان القديمة برز الديماغوجيون من أمثال السياسي الأثيني كليون الذي توفي سنة 422 ق.م خلال الحرب البيلوبونيسية. وقد أسهم صعود هؤلاء في اضطراب ديمقراطية أثينا، الأمر الذي دفع الفيلسوف أفلاطون وتلميذه أرسطو إلى التحذير من حكم الرعاع وما قد يترتب عليه من فوضى سياسية. وقد أدى الالتباس في استخدام المصطلحات آنذاك إلى إضفاء دلالة سلبية على مفهوم الديمقراطية لقرون طويلة.
كما شهدت الإمبراطورية الرومانية صعود عدد من القادة الذين استخدموا الخطابة الجماهيرية لتحريك مشاعر الشعب وتحقيق طموحاتهم السياسية، ومن أبرزهم الأخوان غراكوس ويوليوس قيصر.
وبصورة عامة يقوم الخطاب الشعبوي على حشد الجماهير وإطلاق الشعارات والوعود الوردية التي يصعب تحقيقها، من خلال شخصيات تجيد الخطابة والتأثير في الجماهير الفقيرة والمهمشة. كما ترى هذه التيارات أن مخاطبة الشعب لا تتطلب بالضرورة وجود آليات مؤسساتية أو قنوات سياسية وسيطة تقليدية كالأحزاب وهيئات المجتمع المدني.
وقد أظهرت التجربة المعاصرة أن الدول التي حكمتها قيادات شعبوية – مثل الولايات المتحدة الأمريكية في عهد دونالد ترامب، وبريطانيا في عهد بوريس جونسون، والبرازيل في عهد جايير بولسونارو – كانت أكثر تضرراً من تداعيات جائحة كوفيد-19، سواء من حيث ارتفاع أعداد الإصابات والوفيات أو من حيث الانعكاسات الاقتصادية والاجتماعية، وذلك بسبب التقليل من خطورة الوباء وعدم اتخاذ التدابير اللازمة في الوقت المناسب. وقد انعكس ذلك سلباً على المكانة الدولية للولايات المتحدة وديمقراطيتها.