لقد أثبتت الوقائع والأحداث السياسية والعسكرية خلال السنوات الأخيرة تراجع الدور الأمريكي في المنطقة، خصوصًا منذ تولي الرئيس الأمريكي دونالد ترامب السلطة. فالرئيس الذي يفتقر، وفق تقديرات كثير من المراقبين، إلى الخبرة السياسية والعسكرية، بدا في كثير من الأحيان أسيرًا لحسابات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والائتلاف اليميني المتطرف الحاكم في تل أبيب.
وقد تجلى هذا التأثير بوضوح في السياسات التي تبنتها الإدارة الأمريكية خلال تلك المرحلة، حيث انسحبت الولايات المتحدة من الاتفاق النووي الإيراني الموقع عام 2015 بين إيران ومجموعة (5+1)، وهو الاتفاق الذي كانت أطراف دولية عديدة ترى فيه عاملًا مهمًا لتعزيز الأمن والاستقرار الإقليمي والدولي. غير أن” إسرائيل” عارضت هذا الاتفاق بشدة، وضغطت على الإدارة الأمريكية لإلغائه.
وفي سياق السياسات الداعمة “لإسرائيل” اتخذت إدارة ترامب قرارات مفصلية، أبرزها نقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس والاعتراف بها عاصمة “لإسرائيل” إلى جانب تبني مقاربة سياسية أنهت فعليًا الحديث عن حل الدولتين وفق المرجعيات الدولية، وهو ما شكل تحولًا في الموقف الأمريكي التقليدي الذي كان يدعم، ولو نظريًا، إقامة دولة فلسطينية مستقلة وعاصمتها القدس الشرقية.
كما قدمت الإدارة الأمريكية آنذاك ما عُرف بـ”صفقة القرن” بإشراف جاريد كوشنير، صهر الرئيس ترامب، والتي هدفت إلى إعادة صياغة مقاربة الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي بما يخدم الرؤية الإسرائيلية. وقد ترافقت هذه السياسة مع الدفع نحو توسيع دائرة التطبيع في المنطقة، حيث تم توقيع اتفاقيات تطبيع بين “إسرائيل” وكل من دولة الإمارات العربية المتحدة ومملكة البحرين ضمن ما عُرف بـ”اتفاقيات أبراهام”.
في المقابل، استمرت الضغوط الأمريكية والإسرائيلية على المملكة العربية السعودية للانضمام إلى هذه الاتفاقيات، إلا أن الموقف السعودي أكد مرارًا أن أي سلام شامل يجب أن يستند إلى القرارات الدولية ومبادرة السلام العربية، بما يشمل إقامة دولة فلسطينية مستقلة وعاصمتها القدس الشرقية.
ومع تصاعد التوتر في المنطقة، خصوصًا بعد العدوان الإسرائيلي على إيران، تكرس موقف العديد من الدول الخليجية الداعي إلى الحل السياسي عبر المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، إلا أن التصعيد العسكري استمر بدعم واضح من الإدارة الأمريكية.
وكان الاعتقاد السائد لدى بعض الدوائر الإسرائيلية أن توجيه ضربات عسكرية حاسمة لإيران، وربما استهداف قيادات عليا في النظام، قد يؤدي إلى انهيار النظام الإيراني أو دفعه إلى الاستسلام. غير أن هذه التقديرات بدت بعيدة عن الواقع، إذ إن مثل هذا السيناريو لم يتحقق، بل على العكس عززت تلك المواجهة من تماسك النظام الإيراني.
فالصراع مع إيران لا يمكن حسمه خلال أيام قليلة، كما رُوّج في بعض التقديرات الأولية. وحتى مع الحديث عن احتمال استمرار التصعيد العسكري لأسابيع، فإن السؤال الجوهري يبقى: ما هي الكلفة المادية والبشرية واللوجستية لمثل هذا التصعيد؟ وهل يمكن تحقيق حسم عسكري فعلي ضد إيران خلال هذه الفترة؟
تشير المعطيات إلى أن إيران قد تتجه نحو استراتيجية الاستنزاف الطويل، وهو ما قد يجعل أي مواجهة عسكرية مفتوحة مكلفة للغاية لجميع الأطراف، دون أن يحقق الهدف المعلن بإسقاط النظام الإيراني.
وفي ظل هذه المعطيات، يبدو أن السياسات التي انتهجتها إدارة ترامب في المنطقة قد أدخلت الولايات المتحدة في تعقيدات استراتيجية جديدة، وربما ساهمت في فتح جبهات توتر إضافية في الشرق الأوسط، سواء على مستوى المواجهة مع إيران أو على مستوى التصعيد في الجبهات الإقليمية الأخرى.
إن استمرار هذا النهج قد يؤدي في نهاية المطاف إلى إعادة تشكيل موازين القوى في المنطقة، وربما يفتح الباب أمام تحولات عميقة في طبيعة الدور الأمريكي ومستقبل الصراع في الشرق الأوسط. على العالم أن يدرك مخاطر الغدد السرطانية الذي يتمثل في “إسرائيل” كدولة إحتلال لا تقف عند حدود فلسطين بل سرطان يتمدى في كل إرجاء العالم العربي
والإسلامي لنعمل على إعادة هيكلة الأمن القومي العربي.
عمران الخطيب






