ليس تاريخ الفكر الإنساني سوى سلسلةٍ متواصلة من التحولات التي تمسّ أسس المعرفة وطرائق إدراك العالم. ومن بين هذه التحولات الكبرى يبرز انهيار العقلانية الدوغمائية بوصفه لحظة مفصلية في تاريخ الحداثة، لحظةً انكسرت فيها منظومة فكرية كاملة كانت تقوم على يقينٍ مطلق يربط بين العقل والوجود، ويؤسس لتطابقٍ مفترض بين الفكر والواقع. ففي تلك اللحظة التاريخية التي تزامن فيها ظهور علم الجمال مع أفول البلاغة الكلاسيكية، انكشف عنف القطيعة الإبستمولوجية التي دشّنتها الحداثة، معلنة انتقال الفكر من يقينٍ مغلق إلى أفقٍ مفتوح على التعدد والاختلاف.
لقد كانت البلاغة الكلاسيكية، في تقاليدها الممتدة من الفكر اليوناني إلى الموروث العربي الوسيط، تمثّل نظامًا معرفيًا يقوم على افتراضٍ جوهري مفاده أن اللغة قادرة على محاكاة العالم محاكاةً متوازنة، وأن العلاقات التي تربط الألفاظ بالمعاني تشبه، في بنيتها العميقة، العلاقات التي تربط الأشياء ببعضها في الواقع. ومن هنا كان يُنظر إلى البلاغة بوصفها فنًّا لضبط الانسجام بين الفكر والتعبير، وبين المعنى وصورته اللغوية. غير أن هذا التصور لم يكن مجرد نظرية لغوية، بل كان امتدادًا لرؤية ميتافيزيقية أعمق تؤمن بوجود نظام كوني متناغم تتطابق فيه البنية العقلية مع البنية الوجودية.
غير أن هذا اليقين القديم بدأ يتصدع مع بزوغ فجر الحداثة. فقد ظهرت أسئلة جديدة حول طبيعة المعرفة وحدود العقل، وبرزت نزعة نقدية تشكك في فكرة التطابق بين الذات والموضوع، بين نسق الأفكار ونسق الأشياء. وفي هذا السياق، أخذت البلاغة الكلاسيكية تفقد مركزيتها شيئًا فشيئًا، بينما أخذ علم الجمال يتبلور بوصفه حقلًا معرفيًا جديدًا يعيد التفكير في العلاقة بين الإنسان والعالم، لا من زاوية المطابقة والتماثل، بل من زاوية التجربة الفردية والانفعال الذاتي.
إن ظهور علم الجمال لم يكن مجرد تطور في تاريخ الفنون، بل كان علامةً على تحرر الكينونة الإنسانية من سجن التطابق. فقد أطلقت الحداثة سراح ما يمكن تسميته بـ الأنا-الموجود، أي الذات التي تدرك نفسها بوصفها مركزًا للتجربة والمعنى، لا مجرد انعكاسٍ سلبي لنظام كوني ثابت. وهكذا تحولت العلاقة بين الإنسان والطبيعة من علاقة خضوعٍ لنظام مفترض سلفًا إلى علاقة اكتشاف وتأويل، حيث يصبح العالم مجالًا مفتوحًا للتجربة والإبداع.
وكانت الميتافيزيقا التقليدية، في صيغها الكلاسيكية، تقوم على مبدأ إحالة كل شيء إلى أصلٍ ظاهر للوجود، أصلٍ يمنح العالم انتظامه وغائيته. غير أن الفكر الحديث بدأ يزعزع هذا التصور، فبدل البحث عن أصلٍ نهائي للوجود، صار ينظر إلى الكينونة بوصفها عمليةً مفتوحة، لا تستقر على معنى واحد. ومن هنا كان انهيار البلاغة الكلاسيكية تعبيرًا عن تحولٍ أعمق: انهيار العقلانية الدوغمائية التي افترضت أن العقل قادر على إدراك الحقيقة الكونية إدراكًا كاملاً ومباشرًا.
لقد قامت هذه العقلانية على فرضيتين أساسيتين. أولاهما أن هناك تماهيًا بين الذات العارفة والموضوع المعروف، بحيث يمكن للعقل أن يعكس بنية العالم انعكاسًا دقيقًا. أما الفرضية الثانية فهي أن هذا الانسجام بين الفكر والوجود يستند إلى مبدأ لاهوتي يضمن وحدة النظام الكوني وغائيته. فالعالم، وفق هذا التصور، ليس مجرد مجموعة من الظواهر المتفرقة، بل بناء محكم يحقق غاية محددة، ويستمد انتظامه من إرادة عليا تؤسس معناه.
غير أن الحداثة، في حركتها النقدية العميقة، زعزعت هذين الأساسين معًا. فقد كشفت الفلسفات الحديثة عن المسافة التي تفصل الذات عن الموضوع، وعن الدور الذي تلعبه اللغة والتاريخ والثقافة في تشكيل المعرفة. كما أخذت فكرة الغائية الكونية تتراجع أمام تصورات جديدة ترى العالم مجالًا للصيرورة والاحتمال، لا نظامًا مغلقًا محكومًا بغاية مسبقة.
ومن هنا يمكن فهم العلاقة العميقة بين موت البلاغة الكلاسيكية وولادة علم الجمال الحديث. فالبلاغة كانت تقوم على يقينٍ بوجود نظام لغوي يعكس نظام العالم، بينما يقوم علم الجمال على الاعتراف بأن التجربة الجمالية تنبع من تفرد الذات واختلافها، وأن الفن لا يكرر العالم بل يعيد خلقه. وهكذا تحوّل الاهتمام من البحث عن قواعد ثابتة للبيان إلى استكشاف طاقة الخيال والإبداع.
إن انهيار العقلانية الدوغمائية لم يكن سقوطًا للعقل ذاته، بل كان تحريرًا له من وهم المطلق. فالعقل لم يعد سلطة تدّعي امتلاك الحقيقة النهائية، بل أصبح أداةً للنقد والتأويل والانفتاح على الممكن. وفي هذا التحول العميق تكمن إحدى أعظم منجزات الحداثة: الاعتراف بأن الحقيقة ليست مرآةً صافية تعكس العالم كما هو، بل هي ثمرة حوار دائم بين الإنسان والوجود.
وهكذا يمكن القول إن الحداثة دشّنت مرحلة جديدة في تاريخ الفكر، مرحلةً انتقل فيها الإنسان من يقينٍ كوني مغلق إلى أفقٍ معرفي مفتوح. وفي هذا الأفق لم يعد العالم كتابًا مكتوبًا بلغةٍ واحدة، بل أصبح نصًا متعدّد القراءات، تتداخل فيه الأصوات والتأويلات. ومن هنا ينبع المعنى العميق لانهيار العقلانية الدوغمائية: إنه لحظة ميلاد الحرية الفكرية، حيث يتحرر العقل من سلطة المطلق، ويبدأ في اكتشاف العالم بوصفه فضاءً لا نهائيًا للمعنى والجمال.






