بين الظلام والنور: فلسطين تحاكم الحكماء

بقلم: شادي عياد

في ليل فلسطيني قارص البرد كان الأب الفلسطيني والأم الفلسطينية يسيران في الأزقة الضيقة وأقدامهما حافية وقلوبهما مثقلة بألم تراكم عبر سنوات من الاحتلال والانقسام والفساد والخذلان وانكسار كل القوانين القديمة التي وضعها الحكماء لمواجهة مشاكل الكون وفشل كل المعادلات البشرية العلمية والنظرية امام الألم الفلسطيني، فكل حجر كان تحت أقدامهما يذكرهما ببيوت هدمت وأحلام ضاعت وأطفال يصرخون بلا مأوى.بينما القصور تتحول إلى مسارح للسخرية والضحك على دم الشعب الفلسطيني أصبح ممارسة يومية للحكماء.

الأم توقفت تحدق في السماء المظلمة وصوتها يختنق بين الدمع والغضب وتقول مترافعة
“كل يوم نخسر شيئًا… بيتًا..حلمًا..كرامة… والقوانين تتحول إلى أوراق على الرفوف… والضحك على دمنا أصبح مشروعًا… والمهرجون يجلسون على كراسي العاج ويبتسمون لنا كما لو أننا مجرد خلفية للصورة !”

الأب الفلسطيني يضغط على يد الام بقوة ويستهل مرافعته بالقول :
“اليوم نحاكم كل من ترك المعادلات والقوانين للفشل… كل من أُطلق عليهم الحكماء… كل من جلسوا على كرسي المعرفة العليا… ولم يمنعوا الاحتلال ولم يحموا أرضنا وكرامتنا ولم يوقفوا العبث بالقصور !”

تقدما خطوة خطوة نحو قاعة مضيئة حيث جلست داخلها أعظم عقول البشرية من سقراط وأفلاطون وأرسطو وابن خلدون ودوستويفسكي وغاندي ومانديلا… حيث كانت وجوههم ثابتة وصامتة كأنها تقرأ كل وجع فلسطين في وجه الأب الفلسطيني والأم التي ترافقه قبل أن ينطقا. وكأن وجوههم تعيد كتابة كل القوانين التي لم تحمِ شعبًا.

الأم الفلسطينية تستأنف مرافعتها بجرأة متصاعدة:

“جئنا لنحاسبكم… لنحاسب كل القوانين التي تركتموها للبشرية، وكل النظريات التي فشلت في حماية شعبنا… في حماية أرضنا… في حماية أطفالنا.”

الأب الفلسطيني وهو يكمل مرافعته وصوته صارم:

“كل معادلاتكم لم تمنع الاحتلال، لم توقف الانقسام، لم تحمِ البسطاء من السخرية في القصور… ولم تمنع الحكماء من التفرج على العبث! كل ما أنتم فخورون به من صوركم الفاخرة ومعدلاتكم التي ثبت فشلها امام آلامنا!”

سقراط يميل برأسه وكأنه يحاول فهم هذا الغضب الفلسطيني ويقول:

“أرى الألم في عينيكما… لقد فشلت فلسفتي في حماية ما يجب حمايته… واليوم فإن صمودكما هو شهادة على فشلي الكبير. كنتم أنتم… أنتم الحقيقة وأنا مجرد نصيحة ضائعة بين الصفحات.”

أفلاطون وبنبرة حزينة يضيف:

“لقد حلمت بالمدينة الفاضلة… لكن القصور تحوّلت إلى مسارح للهزل… والقوانين لم تنقذكم… ومع ذلك فإن صمودكما يثبت أن الإنسان قادر على تحدي العبث… وأنا أعترف لكم بأن فلسفتي لم تتوقع أن يكون الصمود أعظم من النظرية!”

أرسطو بخجل شديد يميل إلى الأم الفلسطينية ويقول :

“لقد رسمت المنطق وقواعد الفضيلة وسياسات المدينة… لكن كل هذه القواعد اختفت حين أُسقطت العدالة تحت أقدام المهرجين… ففلسطين أعادت تعريف العدالة وأنتم رسل هذه الحقيقة!”

اما ابن خلدون فيضع يده على رأسه ويقول :

“لقد درست العمران والتاريخ والسلوك البشري… لكن لا شيء يفسر عبث الواقع… الاحتلال والانقسام والقصور والضحك على دم الشعب… كل شيء خارج أي معادلة. ففلسطين اليوم تكتب مقدمة جديدة في التاريخ !”

دوستويفسكي وبعينين تلمعان بالحزن يقول :

“أخاف أن يعتاد العالم على موتكم… وأن يصبح ألمكم مجرد مشهد على الورق… لكن روحكم وصمودكم اصبحا هما الحكم النهائي على كل القوانين والنظريات… كل كتاب كتبناه لم يحميكم للأسف ولكن صمودكم يكتب دروسًا لم نقدر نحن على كتابتها.”

غاندي بنبرة هادئة وهو يبتسم بسخرية مخملية يقول :

“الصمود هو السلاح… والضحك على دم الشعب لن يغير الحقيقة… كل تجربة مع الألم درس للبشرية، وها أنتم تتعلمونه الآن… لقد حولتم صبركم إلى فلسفة حية لم تقدر عليها نحن .”

مانديلا وهو ينظر مباشرة إلى الأب والأم قال:

“الحرية ليست هبة… هي روحكم التي لم تمت رغم كل شيء… رغم الاحتلال، الانقسام، القصور، المهرجين… أنتم الحكماء الحقيقيون اليوم… أكثر من كل نصوصنا وأكثر من كل معادلاتنا وأكثر من كل أفكارنا.”

الأم الفلسطينية ودموعها تتساقط لكنها تحدق في الجميع بعزم لا ينكسر تكمل مرافعتها وتعلي صوتها بأدب الثوار:

“نحن الشعب الفلسطيني… نحيا رغم كل شيء… لن نكون مادة للعبث… لن نسمح لأحد أن يسرق من أطفالنا حياتهم وحلمهم وضحكهم… لن تكون فلسفتكم عذراً لموتهم أو صمتهم او بقاء المهرجين !”

الأب يضع يده على قلبه ويرفع صوته مع الأم:

“نحن هنا… نحيا رغم كل شيء… لن نخضع للعبث… لن نموت في صمت!”

الليل انقض والقاعة صمتت… ولكن فلسطين بقيت تتنفس حية وصاخبة، منتصرة بصمود الأب والأم الفلسطينيين… أكثر من كل الكلمات والأساطير وأكثر من كل القوانين القديمة والحديثة وأكثر من كل الصور الفاخرة والفارغة وأكثر من كل بيان مهيب وقع عليه الحكماء… ليعلما الجميع أن الحكماء الحقيقيون اليوم هم أولئك الذين يقفون على الأرض ويحفظون الملامح ويعيدون الروح إلى الوطن. وليست الكراسي المغتصبة أو الكلمات المخملية على الورق.