في 12 / 3 وقبل ملايين السنين ولدتُ أنا لاجئا في فلسطين
ليس في مدينة ولا في بيت ولا حتى في قرية يمكن أن تشير إليها الخريطة.
ولدتُ لأبٍ لاجئٍ مطرودٍ من بلده الأصلي القدس ولأمٍ لاجئةٍ مطرودةٍ من بلدها الأصلي يافا.
كانا قد تعارفا — كما يتعارف العظماء عادة — في خيمةٍ من خيام الجوع في دولةٍ اسمها وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا).
دولةٌ بلا حدود… وبلا سيادة… لكن لها ختمٌ رسمي على بطاقات الفقر.
هناك ولدتُ فصيحًا منذ اللحظة الأولى. أحمل أكثر من جنسية: جنسية فلسطيني مطرود وجنسية لاجئ وجنسية فقير. وهي جنسيات لا تمنحك حق السفر لكنها تمنحك حق الوقوف الطويل في الطوابير.
كبرتُ… أو بالأحرى ركضتُ في الكبر مثل الريح فنحن — أبناء المخيمات — لا نكبر طبيعيًا،نحن نكبر بالجوع ونكبر بالفقر ونكبر بالبرد.
حتى لازمتني الأمراض مبكرًا فتعلمتُ منها بعض حروف اللغة الإنجليزية. فكانت أول مفرداتي الأجنبية “الروماتيزم.”
ثم تعلمتُ كلمة أخرى مهمة جدًا في العلاقات الدولية:
“إبرة البنسلين”.
كنت آخذها سنواتٍ طويلة وهي بدورها كانت تترك في جسدي الما لا ينسا وألف توقيعٍ أزرق، كأن جسدي دفتر حضورٍ لوزارة الألم.
وفي الشتاء كان أبي يجمع مصادر الطاقة، ليس الفحم… ولا الحطب… بل نحن.
كان يقول لنا بحكمة علماء الفيزياء:
“أحضن أطراف أخيك… ودعه يحضن أطرافك”.
فتتولد طاقة حرارية جماعية فهذا اختراع فلسطيني أصيل لمقاومة البرد اللعين.
كنا نعتمد عليه جدا في الشتاء…
إلا أخًا واحدًا كان أصغرنا وأحدثنا ميلادًا فكان مصدر دفئه مختلفًا قليلًا:
صدر أمي.
صدرٌ فارغ من كل شيء… إلا الحنين.
ذلك الطفل وُلد صدفةً في نفس تاريخ ميلادي الثاني عشر من آذار اللعين فسمّته أمي: ربيع لأنه كما قالت سيبشّر بتحول حياتنا من الخريف… إلى الربيع.
كبرتُ… وكبر ربيع… لكننا للأسف ما زلنا نعيش الخريف.
خريفٌ طويل جدًا، حتى إن أوراق حياتنا لم تخضرّ بعد ولا أزهرت بساتين قلوبنا وما زلنا حتى اليوم نبحث عن السبب.
قالوا لنا: السبب هو الاحتلال اللعين ذلك البعبع الكبير.
صدقناهم.
لكنهم قالوا أيضًا إن هناك ثوارًا قادمين ومنقذين قادمين من خلف الفقر والمنفى وقالوا إنهم رجال حركة فتح الميامين.
وكانوا بالمناسبة أكبر منا جميعًا بعشرااات السنين.
بعضهم قُتل على يد إسرائيل رحمهم الله. وهم عندنا شهداء أعزاء ولا نقول فيهم إلا ما يليق بتضحياتهم.
لكن الذين عادوا إلينا…
عادوا بملابس لا تشبهنا ومركبات لا تشبه طرق المخيم وخطاباتٍ لا تشبه جوعنا.
جاء المنقذين من كل مكان من داخل فلسطين وخارجها وبعضهم من اللاجئين !!! دفعوا الأطفال بعيدًا وأخذوا المنهكين ليخدموهم.
فهم كما قالوا أصحاب خبرةٍ في قهر الاحتلال… وفي إدارة الوطن… وفي حب الوطن… وفي تفسير الوطن.
قادونا ثلاثين سنة.
ثلاثون سنة قتلوا فيها وفينا الحب والحنين.
أنجبوا أولادًا مشوهين… ليس في الأجساد… بل في المعاني.
وصاروا حكوماتٍ في الميادين ودمروا ما تبقى من اليقطين باسم الوطن… والأمن… والدين.
يا له من يوم ميلادٍ لعين.
يا ليتنا متنا مبكرًا قبل أن نتعرف على من سيحرر فلسطين.
أختفت أمي وضاعت مع الضائعين وأبي ذاب في التعب.
أما أنا…
فبحثت عن أخي ربيع لأجده تائهًا في صحراء العبث بين قرارات المنقذين.
يا أيها المنقذون… أنقذونا من إنقاذكم.
فلم نعد نقوى على رؤية كهنة المعبد على صدورنا جاثمين … هم والاحتلال وذريتهم الملاعين .
وفي هذا الزلزال وجدت أنا… ربيع المسكين.
لكنني رغم هذا الخريف الطويل كبرت أنا أيضًا آلاف السنين وكما يولد الناس في هذه البلاد على قدر الألم يولدون كذلك على قدر الأمل.
فأنجبت ولدًا سميته وردا وآخر سميته زين الدين وآخر سميته براءا وبنتًا سميتها حلا لأنها تشبه سماء فلسطين وتزهر حبا كما ربيع .
أما أمهم لأبنائي المتحدين … فلم أجد لها اسمًا يحتمل هذا الحال إلا عتابا كي نبقي للزمن والتاريخ معاتبين .
هكذا صار الخريف عائلةً كاملة.
وفي كل ليلةٍ أنظر إليهم وأطلب من الله أن يحفظ علمهم وأن يبعد عنهم شرّ المنقذين.
وأتعهّد أنا ما حييت أن اعلّمهم جيدًا
لأنني بدأت أفهم أخيرًا أن الخلاص لن يأتي من الذين سمّوا أنفسهم منقذين ولا من الذين جثموا على صدورنا مع الاحتلال سنين وسنين .
الخلاص سيأتي من هؤلاء الصغار الكبار … من ورد وزين الدين وبراء وحلا نور العين ومن جميع أبناءك يا فلسطين.
هم وحدهم من سينقذنا من الاحتلال… ومن المنقذين.
بقلم: شادي عياد








