أهداف الحرب الأمريكية – الإسرائيلية على إيران

بقلم: الدكتور صالح الشقباوي

خبير استراتيجي وأكاديمي
تشهد منطقة الشرق الأوسط واحدة من أكثر مراحلها حساسية وتعقيداً في تاريخها المعاصر، في ظل تصاعد الحرب الاستراتيجية بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى. هذا التصعيد لا يمكن فهمه بمعزل عن شبكة المصالح الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية التي تحكم بنية النظام الدولي، ولا عن الصراع على النفوذ والهيمنة في منطقة تعد القلب الجيوسياسي للعالم.
وقبل البحث في أهداف الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، لا بد من التوقف عند نتائج الحملة العسكرية التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل، والتي استهدفت البنية العسكرية والاستراتيجية الإيرانية، وأدت – وفق بعض التقديرات – إلى اغتيال شخصيات قيادية بارزة في هرم السلطة الإيرانية وعلى راسهم المرشد على خامئني. وهنا يبرز سؤال جوهري: هل استطاعت هذه الضربة تغيير معادلة الصراع لصالح الولايات المتحدة وإسرائيل؟ أم أن إيران نجحت في امتصاص الصدمة وإعادة ترتيب أوراقها الاستراتيجية؟
تشير المعطيات الأولية إلى أن إيران لم تفقد توازنها الاستراتيجي أو النفسي، بل تمكنت من الحفاظ على زمام المبادرة، حيث ردّت بفتح جبهات متعددة، عبر استهداف العمق الإسرائيلي وإطلاق ضربات على قواعد عسكرية أمريكية في بعض دول الخليج. هذا الرد لم يكن مجرد فعل عسكري محدود، بل محاولة لإنتاج معادلة ردع جديدة تؤكد أن إيران ما زالت قادرة على التأثير في مجريات الصراع وفرض حضورها في معادلة القوة الإقليمية.
كما أن انخراط حزب الله بكامل قدراته العسكرية في المعركة يفتح جبهة جديدة على إسرائيل، الأمر الذي يضاعف من الضغوط العسكرية والاستراتيجية عليها. ففتح جبهة الشمال يرهق القدرات الإسرائيلية ويجعل الصراع أكثر تعقيداً، حيث تتحول المواجهة من حرب محدودة إلى صراع إقليمي متعدد الجبهات، بما قد يمنح حزب الله هامشاً أوسع لتعزيز موقعه في معادلة الصراع.
أما على مستوى الأهداف الاستراتيجية للحرب، فيمكن قراءة التحرك الأمريكي الإسرائيلي ضمن إطار السعي لإزالة ما يُنظر إليه كـ”خطر وجودي” تمثله إيران بالنسبة لإسرائيل. ويتجسد ذلك في محاولة تدمير البرنامج النووي الإيراني، واستهداف مصانع الصواريخ الباليستية، وتفكيك الترسانة العسكرية التي قد تخل بتوازن الردع في الصراع الإيراني الإسرائيلي.
إلى جانب ذلك، هناك هدف سياسي أوسع يتمثل في إعادة تشكيل بنية الشرق الأوسط عبر إزالة ما تعتبره الولايات المتحدة وإسرائيل آخر العوائق الأيديولوجية والسياسية أمام مشروع الهيمنة الإقليمية. وفي هذا السياق تُطرح إيران، ومعها قوى إقليمية حليفة مثل حزب الله والحوثيين وبعض القوى المتحالفة معها في العراق، باعتبارها محوراً معطِّلاً لمشروع إعادة هندسة المنطقة وفق الرؤية الأمريكية الإسرائيلية.
ولا يمكن إغفال البعد الاقتصادي في هذه الحرب. فالشرق الأوسط يمثل أحد أهم خزانات الطاقة في العالم، والسيطرة على نفطه وغازِه تعني امتلاك أحد أهم مفاتيح القوة في النظام الدولي. وإذا ما أضيف إلى ذلك نجاح الولايات المتحدة في توسيع نفوذها على موارد الطاقة في مناطق أخرى مثل فنزويلا، فإن السيطرة على نفط وغاز الشرق الأوسط قد تضمن لها الهيمنة على جزء كبير من موارد الطاقة العالمية، وهو ما يعزز موقعها كقوة مهيمنة في النظام الدولي خلال القرن الحادي والعشرين.
غير أن مجريات الصراع لا تزال مفتوحة على احتمالات متعددة. فالحروب الكبرى لا تُقاس فقط بنتائج الضربات الأولى، بل بقدرة الأطراف المتصارعة على الصمود وإعادة تشكيل موازين القوى. ومن هنا تبرز تساؤلات كبرى حول مستقبل هذه الحرب.
فهل ستكون هذه المواجهة بداية لنهاية مرحلة الهيمنة الأمريكية المطلقة على المنطقة؟ وهل يمكن أن تؤدي إلى إعادة صياغة معادلات القوة في الشرق الأوسط بما يفتح المجال لتحولات استراتيجية عميقة؟
وهل سيؤدي الضغط العسكري المتزايد على إسرائيل إلى تقهقرها وتقوقعها داخل حدودها، بما يجعلها منشغلة بالدفاع عن “إسرائيل الصغرى” بدلاً من السعي إلى تحقيق حلم “إسرائيل الكبرى”؟
بل هل بدأت إسرائيل تدرك أن هزيمة إيران عسكرياً أمر بالغ الصعوبة، خاصة في ظل قدرة طهران على ضرب البنية التحتية الإسرائيلية واستهداف عمقها الأمني، وإيصال صواريخها إلى داخل المجال الإسرائيلي رغم منظومات الدفاع المتطورة؟
إن هذه الأسئلة تبقى مفتوحة على المستقبل، لأن الحروب الكبرى لا تعيد رسم خرائط الجغرافيا فحسب، بل تعيد أيضاً صياغة مفاهيم القوة والردع والهيمنة في النظام الدولي.
وفي ظل هذا المشهد المتحرك، يبقى الشرق الأوسط ساحةً لصراع الإرادات الكبرى، حيث تتقاطع المشاريع الدولية مع الطموحات الإقليمية، ليظل السؤال الأهم معلقاً: هل نحن أمام حرب ستعيد تثبيت النظام القائم، أم أمام لحظة @تاريخية قد تعيد تشكيل توازنات القوة في العالم بأسره؟
لخلق نظام دولي جديد..بقيادة امريكا والصين.