قراءة في طرح إيلان بابيه وتحولات القوة في الشرق الأوسط
#كيف تفكر اسرائيل
في السياسة الدولية لا تُبنى قوة الدول بالسلاح والاقتصاد وحدهما، بل أيضًا بالروايات التي تفسر هذه القوة وتمنحها شرعيتها. فالتاريخ لا يُكتب فقط في ساحات المعارك، بل في الجامعات ووسائل الإعلام ومراكز الفكر التي تصوغ الطريقة التي يفهم بها العالم تلك المعارك.
من هذه الزاوية يحاول المؤرخ الإسرائيلي ايلان بابيه قراءة تحولات إسرائيل في كتابه The Idea of Israel: A History of Power and Knowledge فبابيه لا يكتفي بتحليل تاريخ الدولة من منظور سياسي أو عسكري، بل يتوقف عند العلاقة العميقة بين القوة وإنتاج المعرفة، أي كيف تتحول الروايات الأكاديمية والثقافية إلى جزء من بناء القوة السياسية نفسها.
المعرفة كجزء من مشروع القوة
ينطلق بابيه من فكرة أن الدول لا تبني قوتها عبر الجيوش والتحالفات فقط، بل عبر المؤسسات التي تنتج المعرفة
فالجامعات، ووسائل الإعلام، والكتابات التاريخية، تشارك جميعها في صياغة الرواية التي تفسر وجود الدولة ودورها في العالم.
هذا التصور يلتقي مع الطرح الفلسفي للمفكر الفرنسي (Michel Foucault)ميشيل فوكو الذي رأى أن العلاقة بين السلطة والمعرفة علاقة متبادلة؛ فالقوة تنتج المعرفة، والمعرفة بدورها تعزز هذه القوة وتمنحها شرعية في المجال السياسي والثقافي.
في هذا السياق يرى بابيه أن صورة إسرائيل في الغرب لم تتشكل فقط عبر السياسة، بل أيضًا عبر شبكة واسعة من المؤسسات الثقافية والأكاديمية التي ساهمت في ترسيخ رواية معينة حول نشأة الدولة ودورها
من دولة مشروع إلى دولة قوة
عند تأسيسها عام 1948 كانت إسرائيل تُقدَّم باعتبارها دولة ناشئة تسعى إلى تثبيت وجودها السياسي والاقتصادي في بيئة إقليمية معقدة وكان الخطاب السياسي السائد آنذاك يركز على فكرة الدولة الصغيرة التي تواجه تحديات وجودية
لكن مع مرور العقود بدأت هذه الصورة تتغير تدريجيًا. فالتطور العسكري والتكنولوجي، إلى جانب التحالف الاستراتيجي مع الولايات المتحدة، ساهم في تعزيز قدرات الدولة وتحويلها من مشروع سياسي يبحث عن الاستقرار إلى لاعب إقليمي يمتلك أدوات تأثير واسعة.
بهذا المعنى يرى بابيه أن إسرائيل انتقلت من مرحلة “الدولة التي تسعى إلى البقاء” إلى مرحلة “الدولة التي تمتلك القدرة على التأثير في موازين القوى الإقليمية”
التكنولوجيا كمصدر جديد للقوة
إلى جانب القوة العسكرية يشير بابيه إلى أن الاقتصاد التكنولوجي أصبح أحد أهم مصادر النفوذ الإسرائيلي ،فقد تحولت إسرائيل خلال العقود الأخيرة إلى مركز عالمي للابتكار في مجالات التكنولوجيا المتقدمة والبحث العلمي.
هذا التحول لم يغير فقط بنية الاقتصاد الإسرائيلي، بل ساهم أيضًا في إعادة تعريف صورة الدولة في النظام الدولي، حيث أصبحت تُقدَّم في كثير من الدراسات الاقتصادية كنموذج لدولة الابتكار.
ومن خلال هذا الحضور الاقتصادي والتكنولوجي تمكنت إسرائيل من بناء شبكة علاقات دولية تتجاوز الإطار السياسي التقليدي.
التحالفات وإعادة تشكيل التوازنات الإقليمية
التحولات في القوة الاقتصادية والتكنولوجية رافقتها أيضًا تحولات في العلاقات السياسية في المنطقة فقد شهدت السنوات الأخيرة إعادة تقييم لعلاقات بعض الدول مع إسرائيل في ضوء المصالح الاقتصادية والأمنية المشتركة.
هذه التغيرات تعكس تحولًا أوسع في طبيعة التوازنات في الشرق الأوسط، حيث أصبحت المصالح الاستراتيجية والتكنولوجية جزءًا مهمًا من صياغة العلاقات بين الدول
بعد السابع من أكتوبر: صراع القوة والرواية
تبدو أفكار بابيه حول العلاقة بين القوة والمعرفة أكثر وضوحًا عند قراءة التحولات التي شهدتها المنطقة بعد السابع من أكتوبر فالأحداث التي أعادت تشكيل المشهد السياسي والعسكري في الشرق الأوسط لم تكن مجرد مواجهة عسكرية، بل كشفت أيضًا عن صراع أعمق يتعلق بالرواية والتفسير.
فبينما تتغير موازين القوة على الأرض، يجري في الوقت نفسه صراع موازٍ حول الطريقة التي سيُكتب بها تاريخ هذه المرحلة. فالقوة العسكرية تحدد ما يحدث في الواقع، لكن الرواية السياسية والثقافية هي التي تحدد كيف سيُفهم هذا الواقع في الوعي العالمي.
قراءة إيلان بابيه لتاريخ إسرائيل تقدم منظورًا مختلفًا لفهم التحولات التي شهدتها الدولة خلال العقود الماضية. فالقوة، في نظره، لا تُبنى فقط عبر الجيوش أو الاقتصاد، بل عبر القدرة على إنتاج المعرفة التي تمنح هذه القوة معناها السياسي.
ومن خلال هذا التفاعل بين القوة والمعرفة يمكن فهم كيف تحولت إسرائيل خلال عقود قليلة من مشروع سياسي يبحث عن تثبيت وجوده إلى دولة تمتلك حضورًا متزايدًا في معادلات الشرق الأوسط.
وفي عالم تتداخل فيه السياسة مع الخطاب والمعرفة، يبدو أن الصراع الحقيقي لا يدور فقط حول الأرض أو الحدود، بل حول الرواية التي ستحدد كيف يُقرأ التاريخ.







