كان أبى يصطحبنى طفلاً لأداء الصلاة فى المسجد وسألته ذات
يوم لماذا تختلف طريقة وضع اليدين عند الصلاة باختلاف الأشخاص والجماعات؟ فشرح لى أبى أن ذلك سببه الخلاف البسيط بين الأئمة الأربعة، فأتباع الإمام مالك تؤكد مصادرهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أدى الصلاة مطلق اليدين بينما يرى الشافعية من أتباع الإمام الذى عاش فى العراق وغزة ومصر أن الأمر يختلف فلقد شوهد رسول الله وهو يصلى واضعًا يديه فوق بعضهما على جانبه الأيسر، بينما رأى الأحناف قبل ذلك وهم أتباع الإمام الأعظم أبو حنيفة النعمان أن أداء النبى فى الصلاة قد جرى ويداه فوق بعضهما حول وسطه،
وهى اختلافات شكلية وليست جوهرية، فالأئمة الأربعة بمن فيهم الإمام أحمد بن حنبل الذى ينتشر مذهبه فى الجزيرة العربية أو الإمام مالك الذى ينتشر مذهبه فى الشمال الأفريقى أو الشافعى فى مصر والشام وغيرها هم نتاج لمظاهر تاريخية لاتمس جوهر الدين، وعندما جاء الحكم العثمانى للمنطقة وسيطرت خلافة آل عثمان على العالم الإسلامى تحول كثيرون إلى المذهب الحنفى باعتباره المذهب الرسمى للدولة العثمانية، ولم يكن عقلى يستوعب مثل تلك الأمور فى سنى المبكرة، ووطنت نفسى عند أداء الصلاة على أن أكون حنفى المذهب وفقًا للتيار السائد لدينا فى ذلك الوقت، خصوصًا وأن أحكام الشريعة الإسلامية تخضع للفقه الحنفى خصوصًا فى المواريث والزواج والطلاق وغيرها من الأحكام، ومصر كما يعلم الجميع هى بحر المذهب السنى ليس فيها فرق إسلامية ولا جماعات دينية على نحو يقسم الإسلام بين أتباعه،
وعندما أتاحت لى الظروف زيارة بغداد وجدت المسجدين الكبيرين يطل كل منهما على الآخر بضريح الإمام موسى الكاظم لأتباع المذهب الشيعى وضريح الإمام الأعظم أبى حنيفة النعمان لأتباع المذهب السنى، ولا شك أن استغلال هذا التنوع فى تقسيم المسلمين لم يكن أمرًا صائبًا ولكنه يحتوى على مبالغة واضحة من كل الأطراف، فالدين لله والاختلافات بشرية ولا يجب أن يترتب عليها ذلك التقسيم المذهبى الذى نعرفه اليوم، ويهمنى فى هذه السطور وخلال هذا الشهر الكريم وفى ظل عواصف الحرب وأنواء المعارك التى تمر بها منطقتنا العربية أن أدعو الجميع إلى كلمة سواء لا تقف عند الخلافات المذهبية ولا الفروق فى أداء الشعائر الدينية خصوصًا وأن أعداء الإسلام أمعنوا فى تصوير تلك الفروق والتشدد فى فهمها لتمزيق وحدة الأمة وخلق ذرائع للخلاف ومبررات للانقسام الذى يحصد نتائجه كل من لا يريدون خيرًا للإسلام ولا لأهل الكتاب أيضًا، إن الخلاف العربى الإيرانى لا علاقة له بالمذهب السنى والشيعى فهما يعيشان جنبًا إلى جنب وسط شعوب المنطقة،
وأتذكر أننى سألت ذات يوم زميلى السفير العراقى فى فيننا وكان ضابطًا كبيرًا سابقًا فى جيش بلاده عن وضع الشيعة أثناء الحرب العراقية الإيرانية فقال إنهم مثل غيرهم حاربوا مع العراق ببسالة ولم يفرق بينهم السنى والشيعى، ثم استطرد قائلاً وأضيف إليك مفاجأة أخرى وأنت تعرفنى منذ سنوات إننى كنت معاون رئيس أركان الجيش العراقى وأنا شيعى المذهب ولم أشعر يومًا لا أنا ولا غيرى بهذه الفروق، فنحن جميعًا أبناء العراق العربى بغض النظر عن الفروق الدينية مهما كانت. أقول ذلك لكى أؤكد أن المشهد الذى نراه يقوم على خلافات سياسية وصراعات من أجل مصالح قريبة أوبعيدة وباستغلال خبيث من أطراف لا تريد خيرًا للعرب فى كل الظروف وكافة الأحوال.







