– مدير دار الإفتاء والبحوث الإسلامية – الداخل الفلسطيني
ليلة القدر هذا العام تأتي “بنكهة” الألم والحزن والوجع الفلسطيني والعربي والإسلامي………. من يدري لعل القادم يحمل بين طياته البشرى بفجر جديد
* ليلةٌ ليست كبقية الليالي
تمرُّ على الإنسان ليالٍ كثيرة في عمره، لكنها تتشابه في إيقاعها العادي؛ غير أن ليلةً واحدة في العام تقف خارج هذا النّسق، ليلةٌ تُفتَحُ فيها أبواب السماء، وتتنزل فيها الرّحمات، ويُكتب فيها من الخير ما لا تكتبه أعوام طويلة. إنها ليلة القدر، التي عظّمها الله تعالى بقوله: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ * لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾. (القدر: 1-3)
فهي ليست ليلة عبادة عادية، بل لحظة تاريخية في عمر الروح، يمكن أن تغيّر مسار الإنسان كله.
ليلة تتنزل فيها السماء إلى الأرض
من أعظم ما يميز هذه الليلة أن الملائكة تتنزل فيها بكثرة، قال تعالى: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ﴾ (القدر: 4) وقد قال الإمام ابن كثير في تفسيره: “يكثُر نزول الملائكة في هذه الليلة لكثرة بركتها، والملائكة تتنزل مع نزول البركة والرحمة”.
فكأن السماء في تلك الليلة أقرب إلى الأرض من أي وقت آخر، وكأن الدعاء فيها يصعد بلا حواجز، والدمعة فيها أثقل وزنًا عند الله من سنوات من الغفلة.
* بين من ينام عنها… ومن يولد فيها من جديد
غير أن الناس في استقبال هذه الليلة فريقان:
– فريق تمرّ عليه ليلة القدر كما تمر أي ليلة أخرى؛ نومٌ طويل، أو انشغالٌ عابر، أو غفلةٌ عن معناها. فيستيقظ مع الفجر وقد ضاعت منه أعظم فرصة في العام، وربما في العمر كله.
– وفريق آخر يستقبلها بقلبٍ حيّ، يشعر أن هذه الليلة قد تكون نقطة التحول في حياته؛ فيقف بين يدي الله قيامًا، ويطيل السجود، ويستغفر كثيرًا، ويجدد العهد مع ربه. وهذا الفريق قد يخرج من ليلة القدر إنسانًا آخر؛ -أنقى قلبًا، وأصدق عزيمة، وأقرب إلى الله-.
* قيامها طريق المغفرة
وقد بيّن النبي ﷺ سرّ هذه الليلة وفضلها العظيم فقال:
“مَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ” (متفق عليه). إنها فرصة نادرة يغفر الله فيها ماضي الإنسان كله، بشرط أن يقف بين يديه مؤمنًا بفضله، محتسبًا الأجر عنده، ولذلك سألت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها النبي ﷺ: ” إن وافقتُ ليلة القدر ماذا أقول؟ فقال: “قولي: اللهم إنك عفوٌّ تحب العفو فاعفُ عني” (رواه الترمذي). إنه دعاء قصير، لكنه يحمل أعمق معاني الرجاء والافتقار إلى الله.
* ليلة سلام حتى مطلع الفجر
وتختم سورة القدر بوصف بديع لهذه الليلة: ﴿سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ (الفجر: 5). سلامٌ في الأرض، وسلامٌ في القلوب، وسلامٌ في مصائر من أحسن استقبالها. فكأنها ساعاتٌ يغمر فيها السكون الروحي الكون كله، ليمنح الإنسان فرصة أن يراجع نفسه، ويصالح ربه، ويعيد ترتيب حياته.
* رسالة ليلة القدر
ليلة القدر ليست مجرد ليلة للثواب، بل رسالة تربوية عميقة: أن لحظة صدق واحدة مع الله يمكن أن تغيّر عمرًا كاملًا.
فربّ إنسان دخلها مثقلًا بالذنوب، وخرج منها وقد وُلد قلبه من جديد.
ولهذا كان السلف الصالح يتهيأون لها أعظم تهيؤ، ويجتهدون في العشر الأواخر كلها؛ لأنهم أدركوا أن هذه الليلة قد تصنع مصير الإنسان الأبدي.
* خاتمة
حين تأتي ليلة القدر، يتكرر السؤال القديم الجديد:
هل سنكون ممن يمرّون بها نائمين… أم ممن يولدون فيها من جديد؟
إنها ليلة واحدة، لكنها قد تساوي عمرًا بأكمله، بل خيرًا من ألف شهر.(83 عامًا وأربعة أشهر) فمن أدرك معناها، وأحسن استقبالها، فقد ربح الصفقة الأعظم في حياته…





