رحيل يورغن هابرماس صاحب الفلسفة الحداثية الألمانية المعاصره

بقلم: د. صالح الشقباوي

برحيل الفيلسوف الألماني الكبير يورغن هابرماس، تفقد الفلسفة المعاصرة اليوم أحد أبرز أعمدتها الفكرية، وأحد أهم المدافعين عن مشروع الحداثة الأوروبية في زمنٍ تعرّض فيه العقل النقدي لكثير من الاهتزازات والتحديات. لقد كان هابرماس فيلسوفاً استثنائياً استطاع أن يمنح الفلسفة الألمانية المعاصرة روحاً جديدة، وأن يؤسس لما يمكن تسميته بالفلسفة الحداثية الألمانية المستحدثة، التي سعت إلى إعادة بناء العقل النقدي على أساس الحوار والتواصل.
ينتمي هابرماس إلى الجيل الثاني من مدرسة فرانكفورت النقدية، لكنه لم يكن مجرد امتدادٍ تقليدي لها، بل كان مجدداً لمقولاتها الأساسية. فبينما نظر الجيل الأول من مفكري المدرسة، مثل هوركهايمر وأدورنو، إلى الحداثة بوصفها مشروعاً انقلب إلى أداة للهيمنة والسيطرة، حاول هابرماس أن يعيد الاعتبار لإمكانية العقل التحررية، وأن يؤكد أن أزمة الحداثة لا تعني نهايتها، بل تعني ضرورة تعميقها وتصحيح مسارها.
ومن هنا انطلق مشروعه الفلسفي الكبير الذي تمثل في نظرية «الفعل التواصلي»، حيث رأى أن جوهر الحياة الاجتماعية لا يقوم على الصراع والقوة فحسب، بل على القدرة الإنسانية على الحوار العقلاني. فاللغة، في فلسفته، ليست مجرد أداة للتعبير، بل هي الفضاء الذي تتشكل فيه الحقيقة والشرعية معاً، ومن خلالها يستطيع الإنسان أن يبني توافقاً أخلاقياً وسياسياً داخل المجتمع.
لقد منح هابرماس للفلسفة السياسية بعداً جديداً حين ربط الديمقراطية بالمجال العمومي، ذلك الفضاء الذي يلتقي فيه المواطنون بوصفهم ذواتاً حرة قادرة على النقاش وتبادل الحجج. ففي هذا المجال تتأسس الشرعية السياسية على أساس التوافق العقلاني، لا على أساس القوة أو الإكراه. وهكذا أصبحت الديمقراطية، في نظره، عملية تواصل مستمرة بين المواطنين، وليست مجرد نظام مؤسساتي أو آلية انتخابية.
لقد كان هابرماس أيضاً من أبرز المدافعين عن فكرة أن الحداثة مشروع لم يكتمل بعد. ففي مواجهة تيارات ما بعد الحداثة التي أعلنت نهاية العقل وانهيار السرديات الكبرى، ظل يؤكد أن العقل النقدي ما زال قادراً على إنتاج معايير للعدالة والحرية. ولذلك خاض نقاشات فلسفية عميقة مع كبار مفكري عصره، من ميشيل فوكو إلى جاك دريدا، مدافعاً عن ضرورة الحفاظ على أفق العقلانية بوصفه شرطاً لإمكانية التفاهم الإنساني.
ومع تقدمه في العمر، تحول هابرماس إلى ضمير نقدي للحداثة الأوروبية، يراقب تحولات العالم المعاصر ويحذر من مخاطر الشعبوية والتطرف وانهيار المجال العمومي. لقد ظل يؤمن بأن الفلسفة ليست مجرد تأمل نظري، بل هي ممارسة نقدية تسعى إلى حماية العقل والحرية داخل المجتمع.
إن رحيل هابرماس لا يمثل فقط غياب فيلسوف كبير، بل يمثل نهاية مرحلة فكرية كاملة حاولت أن تنقذ الحداثة من أزماتها، وأن تؤسس لفلسفة جديدة قوامها الحوار والاعتراف المتبادل بين البشر. غير أن إرثه الفكري سيبقى حاضراً في النقاشات الفلسفية والسياسية المعاصرة، لأن الأسئلة التي طرحها حول العقل والديمقراطية والشرعية ما زالت تشكل جوهر التحديات التي تواجه العالم اليوم.
لقد عاش هابرماس عمراً فلسفياً طويلاً، لكنه لم يترك وراءه مجرد مؤلفات نظرية، بل ترك مشروعاً فكرياً كاملاً يسعى إلى بناء عالمٍ أكثر إنسانية، عالمٍ تقوم فيه السياسة على الحوار بدلاً من القوة، وتقوم فيه الشرعية على التفاهم بدلاً من الهيمنة.
وهكذا يرحل يورغن هابرماس، لكن الفكرة التي حملها طوال حياته تبقى حية:
أن مستقبل الإنسانية لا يمكن أن يُبنى إلا عبر العقل والحوار.