لم يكن الطريق في تلك الليلة طريقَ عودةٍ فحسب، بل كان طريقًا بين حلمٍ صغير ومأساةٍ كبيرة. خرجت العائلة كما تخرج العائلات قبيل العيد؛ بقلوبٍ خفيفةٍ وأحلامٍ بسيطة. كانت الأكياس في السيارة تحمل ثيابًا جديدة، وكان الأطفال يحملون في عيونهم صباح العيد قبل أن يجيء. لم يكونوا يعلمون أن الطريق الذي يلمع فيه ضوء المدن سيشتعل بعد لحظات بنار الرصاص.
كانت السيارة تمضي هادئة، كأنها سفينة صغيرة تمخر بحر الليل، وفي داخلها عائلة تتدفأ ببعضها. الأب يقود بحنانٍ وصمتٍ يشبه دعاء الآباء، والأم تلتفت إلى أطفالها بعينٍ مليئةٍ بالأمان، بينما كان *عثمان* و*محمد* يختبئان في دفء المقعد الخلفي، كعصفورين ينتظران شمس العيد.
لكن فجأة… انشقّ الليل.
لم تعد الأضواء أضواء طريق، بل شرارات موت.
ولم يعد الصوت صوت محرّك، بل صليل رصاصٍ يكتب مأساة على جسد الطريق.
في تلك اللحظة القصيرة التي تختصر العمر كله، أدرك الأب أن الحياة تُسحب من بين يديه كما يُسحب الضوء من آخر الشفق. رفع صوته بما تبقى من أنفاسه، وكأنه يسلّم روحه إلى السماء قبل أن تصل إليها:
*”أشهد أن لا إله إلا الله.”*
كانت كلمته الأخيرة مثل نجمةٍ انطفأت في صدر الليل.
أما الأم… فكانت قلبًا يصرخ قبل أن يصمت العالم. نظرت إلى أطفالها، إلى الخوف الذي ارتسم في عيونهم كغيمةٍ سوداء فوق طفولةٍ بيضاء. حاولت أن تحضنهم بصوتها، أن تدفع الموت بعيدًا بكلمةٍ واحدة، فصرخت بكل ما في قلبها من رجاءٍ وانكسار:
*”خلااااص!”*
لكن الموت في تلك اللحظة كان أصمّ.
كانت تلك الكلمة آخر ارتجافة في صدر أمٍّ كانت تحلم أن ترى أبناءها بثياب العيد.
وسقطت الأحلام…
سقط الأب، وسقطت الأم، ورحل *عثمان* و*محمد* قبل أن يفتح العيد بابهما. كأن طفولتهما كانت فراشتين صغيرتين أطفأهما ليلٌ ثقيل.
وبقي *خالد* و*مصطفى*…
بقيَا شاهدين على لحظةٍ لا ينبغي لطفلين أن يرياها. بقيَا بعيونٍ امتلأت بأسئلةٍ أكبر من أعمارهم:
لماذا صار الطريق فخًا؟
لماذا تحوّل العيد إلى جنازة؟
ولماذا تُطفأ البراءة كما تُطفأ شمعة في مهبّ الريح؟
كانت الأكياس ما تزال في السيارة…
ثياب العيد التي اشتروها ما تزال هناك، صامتةً كأنها تبكي أصحابها. قماشٌ جديدٌ لم يُلبس، وألوانٌ زاهيةٌ لم ترَ صباح العيد.
وهكذا تحوّل الطريق إلى صفحةٍ دامية في ذاكرة المكان، وتحولت صرخة الأم *”خلاص”* إلى صدى يتردد في الليل، بينما بقيت شهادة الأب معلقة بين الأرض والسماء، كأنها آخر ضوءٍ في عتمة الحكاية.
وفي كل عيدٍ سيأتي…
ستمرّ هذه القصة كغيمةٍ حزينة فوق القلوب.
فالعيد سيأتي، لكن هناك مقاعد لن يجلس عليها أحد، وملابس عيد ستبقى معلّقة بلا أصحاب، وطفولة سُرقت من الطريق قبل أن تصل إلى صباحها.
ويبقى السؤال، مثل جرحٍ مفتوح في ضمير العالم:
بأي ذنبٍ قُتلت البراءة في أعينهم؟










