في تطور لافت يعكس اتساع رقعة المواجهة المصيرية المندلعة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى منذ أسابيع برز حدث عسكري ذو دلالات استراتيجية يتمثل في إسقاط طائرة التزود بالوقود من طراز بوينغ(Boeing KC-135 Stratotanker) أثناء مشاركتها في مهمة دعم الطائرات الإسرائيلية المتجهة نحو أهداف داخل الأراضي الإيرانية.
بإعتقادي أن هذا الحدث يعتبر تحول مهم في طبيعة الصراع الدائر ويطرح تساؤلات جدية حول ما إذا كانت الولايات المتحدة قد فقدت بالفعل القدرة على استخدام الأجواء العراقية بحرية كما كان يحدث في السابق، فالأجواء العراقية لطالما شكلت ممرا جويا استراتيجيا للطائرات الأمريكية والإسرائيلية خلال العمليات العسكرية بعيدة المدى التي تستهدف العمق الإيراني.
اظن أن المسافة الطويلة بين إسرائيل وإيران تجعل من طائرات التزود بالوقود عنصرا حاسما في نجاح أي هجوم جوي حيث يسمح التزود بالوقود للمقاتلات الإسرائيلية تمديد مدى عملياتها والبقاء لفترات أطول في سماء المعركة، من هنا فإن إسقاط طائرة التزوّد بالوقود البوينغ KC-135 لا يمثل مجرد خسارة 40 مليون دولار فقط، بل يحمل دلالات عملياتية أعمق لأن هذا النوع من الطائرات يعتبر أحد الأعمدة الأساسية في منظومة العمليات الجوية الأمريكية.
فهذه الطائرات تعمل عادة بعيدا عن خطوط الاشتباك المباشر، وبالتالي فإن نجاح أي طرف في استهدافها يعني أن نطاق التهديد الجوي قد توسع بشكل كبير ليطال حتى الأهداف الاستراتيجية الداعمة للعمليات الجوية، كذلك فقد تكبدت الولايات المتحده الامريكيه خسائر مادية جسيمة بعد إصابة عدد من طائرات التزود بالوقود في هجوم صاروخي إيراني استهدف قاعدة الامير سلطان في المملكة العربية السعودية، وهذا الاستهداف يضيف بعدا آخر إلى هذه المعادلة.
لذلك فإن الإستهداف الإيراني للقواعد الامريكيه الخلفية التي تنطلق منها عمليات الدعم اللوجستي، يشير إلى أن إيران تسعى إلى ضرب البنية التحتية للعمليات الجوية الأمريكية والإسرائيلية وليس فقط التصدي للطائرات المقاتلة في الأجواء، ومن ناحية أخرى فإن فقدان القدرة على استخدام أجواء العراق بحرية من قبل الطائرات الأمريكية والإسرائيلية سيشكل معضلة كبيرة لكل من الولايات المتحدة وإسرائيل، فالطائرات الإسرائيلية التي تقطع مسافات طويلة للوصول إلى إيران ستجد نفسها أمام خيارات أكثر تعقيدا وخطورة عبر الطيران لمسافات أطول أو الاعتماد على مسارات جوية بديلة قد تكون أكثر عرضة للرصد أو الاشتباك والاسقاط.
واعتقد أن خسارة الأجواء العراقية سيؤثر مباشرة على وتيرة الغارات الجوية لأن نجاح أي حملة جوية بعيدة المدى يعتمد إلى حد كبير على شبكة دعم لوجستي معقدة في مقدمتها الطائرات الناقلة للوقود وطائرات الإنذار المبكر والمقاتلات الحربية، وفي حال تعرضت هذه الشبكة للتهديد فإن قدرة الطائرات على تنفيذ ضربات متكررة وعميقة داخل الأراضي الإيرانية ستتراجع بشكل ملحوظ.
في المقابل تسعى إيران إلى فرض معادلة ردع جديدة في سماء المنطقة تقوم على توسيع نطاق الاستهداف ليشمل ليس فقط الطائرات المهاجمة بل أيضا منصات الدعم اللوجستي والقواعد الخلفية التي تشكل العمود الفقري لأي عمليات جوية، وإذا ما نجحت طهران في تثبيت هذه المعادلة فإن ذلك سيؤدي إلى تقليص هامش الحركة الجوية الأمريكية والإسرائيلية فوق العراق والمنطقة المحيطة به.
وبناء عليه فإن السؤال المطروح اليوم لا يتعلق فقط بإسقاط طائرة واحدة بل بمدى قدرة الولايات المتحدة وإسرائيل على الحفاظ على ضرباتهما الجوية في مسرح عمليات بات أكثر تعقيدا وخطورة، فإذا تكرر إسقاط مثل هذه الطائرات فقد نشهد تحولا حقيقيا في ميزان السيطرة الجوية الأمر الذي قد يخفف من وتيرة القصف على إيران ويدفع الأطراف المتحاربة إلى إعادة حساباتها العسكرية والاستراتيجية في هذه المواجهة المفتوحة .
15\3\2026






