خلال الحرب الإيرانية الأمريكية الإسرائيلية، وبينما الصواريخ المتبادلة ما زالت تدك أهدافاً في إيران وإسرائيل، جرى تداول مصطلحٍ أراه غير مناسب ولا دقيق، بأن الفلسطينيين هم الخاسر الأكبر في هذه الحرب!
لا أُنكر بأن أي حربٍ في أي زمانٍ ومكان، تجتذب اهتماماً بها، أكثر من الاهتمام المألوف بالقضية الفلسطينية، وهذا أمرٌ طبيعي ومتعوّدٌ عليه، فالحرب الأشد تأثيراً والأوسع مساحةً تغطي على الحرب الأصغر منها، ولكن ما أن تخبو نار الحروب الواسعة حتى يعود الاهتمام إلى جذر القضايا ومستنبت الحروب، القضية الفلسطينية.
يكون الفلسطينيون هم الخاسر الأكبر لو أن رهانهم الوجودي قائمٌ على إيران، وانتصارها على إسرائيل وأمريكا، أو كما لو أن تحرير فلسطين وإقامة الدولة على أرضها، هو سبب هذه الحرب وهدفها الرئيسي.
حين تتطور الأحداث وتصبح الحرب على إيران عالمية التأثير كما يُشاهد الآن، ينبغي النظر بموضوعيةٍ لخسائر المتورطين فيها مباشرةً وهم الإسرائيليون والأمريكيون والإيرانيون.
الإسرائيليون حدث معهم في هذه الحرب بدءاً من مذابح غزة وامتدادها إلى الضفة ولبنان وسوريا واليمن، ما لم يسبق أن حدث مثله منذ تأسيس الدولة العبرية، وبإحصاءٍ للخسائر المالية والاقتصادية والبشرية، وهي عاليةٌ بالقياس لكل الحروب السابقة، يجدر الانتباه إلى الخسارة الاستراتيجية التي منُيت به إسرائيل من خلال تراجع الدعم والتبني الدولي، لسياساتها وحروبها وروايتها، حتى أمريكا التي كانت مؤسساتها رصيداً في الجيب الإسرائيلي وكان الفلسطينيون مجرد إرهابيين مدانين، فقد تغيرت الصورة والنظرة تماماً وها هو رئيس مكافحة الإرهاب في الولايات المتحدة يقدّم استقالته، ليس لأسبابٍ إداريةٍ أو شخصية، وإنما لأن حرب ترمب كما يقول هي حربٌ إسرائيليةٌ في الأساس، ولا مصلحة للولايات المتحدة في خوضها، قولٌ كهذا لم يكن مسموعاً في أمريكا.
وفي نفس السياق، يتنامى شعورٌ جمعيٌ في إسرائيل، لخّصته صحيفة هآرتس بعنوانٍ بارزٍ يقول، لم تواجه الصهيونية في أي يوم هذا القدر من الكراهية.
كانت صورة إسرائيل في أمريكا والعالم الغربي بإجماله، ملوّنةً بريشة صهيونية، مقابل تشويه صورة الفلسطينيين وكفاحهم من أجل الحرية والاستقلال، وما يُشاهد اليوم أن الصورة الإسرائيلية فقدت ألوانها المصطنعة أصلاً لتبدو حمراء راشحةً بالدم، بحيث سُجّلت إسرائيل في ذاكرة العالم، بأنها صاحبة الرقم القياسي في قتل الأطفال والنساء، وريادة حرب الإبادة في القرن الحادي والعشرين، وهذا ما قررته محكمة العدل الدولية، وبالنسبة لنتنياهو وقيادة عسكره، قررته محكمة الجنايات.
هذه الخسارات الأساسية التي كان وصفها وزير الدفاع الأمريكي السابق ستيف أوستين بالاستراتيجية، وإسرائيل التي وعدها نتنياهو بأن يُبقيها على سلاحها إلى الأبد، ما تزال تواصل النزف ما دامت الحرب مستمرة، وما زال الإسرائيليون يعتنقون مبدأ تصفية القضية الفلسطينية، ويقودهم وهم السيطرة ليس على الفلسطينيين والعرب، وإنما على الشرق الأوسط كله.
الفلسطينيون يواصلون صمودهم وثباتهم على أرضهم، مدعومين بجدارٍ دوليٍ شامل، يتبنى دولتهم، انطلاقاً من مبدأ أن تحقيق الأمن والاستقرار في الشرق الأوسط والعالم، لم يعد ممكناً دون إقامة دولةٍ فلسطينية، وهذا لم يكن قائماً قبل سنوات وها هو يتكرّس على أرض الواقع مهما بلغت الحروب في المنطقة أو غيرها.
عن مسار





