يقول المثل الشعبي: «رُبَّ ضارّةٍ نافعة»، غير أنّ ما يجري على المستوى الاستراتيجي يكشف أن الأخطاء قد تتحول إلى كوارث عندما تُبنى السياسات على تقديرات خاطئة. فقد أخطأت إدارة الرئيس دونالد ترامب حين انجرت وراء طموحات بنيامين نتنياهو والائتلاف اليميني المتطرف، الذي يمثل الكتل الاستيطانية داخل الكنيست، حيث بات ممثلو المستوطنين يسيطرون على المشهد السياسي في” إسرائيل”
وقبيل هجوم 7 أكتوبر 2023، شهدت إسرائيل حالة انقسام داخلي حاد بين ما تبقى من التيار العلماني، ممثلاً بأحزاب مثل العمل وكاديما، وبين الأحزاب اليمينية والدينية المتطرفة. ومع تراجع قوى «المعراخ» التاريخية، وصعود حزب الليكود بقيادة نتنياهو، أعيد تشكيل الخارطة السياسية الإسرائيلية لصالح التيار اليميني المتشدد، الذي تحالف مع أحزاب دينية واستيطانية، مما عزز هيمنته على القرار السياسي.
وقد نجح نتنياهو في قيادة هذا الائتلاف، بمشاركة شخصيات متطرفة مثل بتسلئيل سموتريتش، الذي انتهج سياسات مالية وسياسية تهدف إلى إضعاف السلطة الفلسطينية، عبر احتجاز أموال المقاصة ودفعها نحو أزمة مالية خانقة، رغم أن فلسطين حصلت على صفة دولة مراقب في الأمم المتحدة، واعتراف عدد كبير من دول العالم بها.
وعلى هذا الأساس، اعتبرت حكومة نتنياهو أن أحداث السابع من أكتوبر تمثل فرصة لإعادة ترتيب الداخل الإسرائيلي، عبر توجيه الصراع نحو الخارج. ولم يكن الرد الإسرائيلي مجرد رد فعل عسكري، بل استُخدم كغطاء لتنفيذ سياسات تهدف إلى فرض واقع جديد، يقوم على تكريس «يهودية الدولة» من خلال حرب إبادة جماعية في قطاع غزة، ومحاولات تغيير الواقع الديموغرافي والجغرافي.
وفي الوقت ذاته، يجري العمل على تفجير الأوضاع في الضفة الغربية والقدس الشرقية، عبر مصادرة الأراضي وتوسيع المستوطنات، في إطار مشروع «القدس الكبرى» وضم الضفة الغربية تحت مسميات توراتية. أما في قطاع غزة، فإن الحديث عن إعادة الإعمار أو انسحاب جيش الاحتلال يبدو بعيد المنال في ظل استمرار مخططات التهجير القسري.
ويمتد هذا التصعيد إلى الساحة اللبنانية، حيث تسعى” إسرائيل” إلى فرض واقع أمني جديد في جنوب لبنان، دون مبررات واضحة، بهدف جر الدولة اللبنانية إلى مسار تطبيعي عبر الضغوط العسكرية. وفي هذا السياق، يبرز دور حزب الله، الذي يتحرك ضمن معادلة الدفاع عن لبنان، في مواجهة محاولات فرض الهيمنة الإسرائيلية.
وفي موازاة ذلك، يتواصل العدوان الإسرائيلي ضمن استراتيجية أشمل تستهدف إعادة تشكيل موازين القوى في المنطقة، بما يشمل تعطيل أي مسار تفاوضي، خاصة بين إيران والولايات المتحدة. وقد تم استبدال خيار التفاوض بالتصعيد العسكري، انطلاقاً من اعتقاد خاطئ بإمكانية إسقاط النظام الإيراني عبر استهداف قياداته.
إلا أن هذه الحسابات لم تصب، إذ أدى العدوان إلى تعزيز التماسك الداخلي في إيران، حيث توحد الشعب الإيراني في مواجهة التهديد الخارجي. بل إن الضربات التي استهدفت المدنيين، بما في ذلك مقتل عشرات الطالبات، زادت من حالة الالتفاف الشعبي حول الدولة.
وفي ظل هذه المعطيات، تبدو فرص العودة إلى المفاوضات محدودة، خاصة مع صعود التيار المحافظ داخل إيران، ما يرجح سيناريو استمرار الصراع لفترة طويلة. كما أن احتمالات إعلان امتلاك إيران لقدرات نووية قد تعيد تشكيل التوازنات الاستراتيجية في المنطقة.
وفي المحصلة، فإن مشروع «إسرائيل الكبرى» يواجه تحديات عميقة، وقد يتحول إلى عبء استراتيجي بدلاً من أن يكون مشروعاً قابلاً للتحقق، في ظل تعقيدات الواقع الإقليمي، وتنامي عوامل المقاومة، وتراجع فرص التسوية السياسية.
عمران الخطيب





