مرّ شهر رمضان هذا العام مثقلاً بالوجع، لا يشبهه في ذاكرة الناس إلا مواسم الألم الكبرى، وجاء العيد باهتاً كأنه غريب عن البيوت التي اعتادت أن تستقبله بالتكبير والفرح. كيف يفرح شعبٌ حُرم من الوصول إلى أقصاه، ومن أداء الصلاة في ساحاته التي كانت دوماً عنوان كرامته وهويته؟ كيف تكتمل فرحة العيد وأصوات القصف لا تزال حاضرة، وأخبار الشهداء لا تنقطع، أطفالٌ ونساء وشيوخ يرتقون كل يوم، كأن الموت بات خبزاً يومياً يُفرض على هذا الشعب دون رحمة أو حساب؟
مرّ رمضان والأسرى في زنازين الاحتلال يواجهون القهر بصمتٍ ثقيل، يُعذّبون بعيداً عن أعين العالم، وجاء العيد وهم على حالهم، لا زيارات ولا أفق قريب للحرية، فيما يستمر المستوطنون في اعتداءاتهم، يعيثون في الأرض فساداً، يوسّعون الاستيطان ويعتدون على الناس ومقدساتهم تحت حماية منظومة احتلال لا تعرف إلا القوة. وفي الإقليم، تتصاعد نيران الحرب وتتشابك الصراعات، وتدخل المنطقة في معادلات عسكرية معقدة، تُدار بعقلية متهورة من قوى كبرى تدفع نحو مزيد من الاشتعال، غير آبهة بمصير الشعوب ولا بحجم الكارثة التي تتسع يوماً بعد يوم.
في خضم هذا الواقع القاسي، يصبح من المؤلم بل من غير المقبول أن يبقى البيت الفلسطيني منقسماً، وأن تستمر حالة التشرذم وكأنها قدر لا يمكن تغييره. لم يعد الانقسام مجرد خلاف سياسي، بل بات خطراً وجودياً يهدد كل ما تبقى من قوة هذا الشعب وقدرته على الصمود. إن المرحلة الراهنة تتطلب شجاعة استثنائية في اتخاذ القرار، والارتقاء فوق الحسابات الفئوية الضيقة، لأن ما يُواجه اليوم أكبر من أي فصيل، وأخطر من أن يُدار بعقلية المنافسة أو التفرد.
إن المسؤولية الوطنية والتاريخية تفرض على حركة حماس أن تتعامل بجدية ومرونة مع كل نداءات الوحدة، وأن تبادر إلى خطوات عملية وحقيقية لتوحيد الصف الوطني، وأن تنخرط في مشروع جامع يعيد ترتيب البيت الفلسطيني على أساس الشراكة الكاملة، لا الهيمنة ولا الإقصاء. فالمقاومة بكل أشكالها تحتاج إلى إطار وطني موحد، يُحسن توظيف التضحيات ويوجهها ضمن استراتيجية واضحة تخدم الهدف الأكبر: حرية الإنسان الفلسطيني واستعادة حقوقه كاملة.
وفي المقابل، فإن قوى اليسار مدعوة اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى مراجعة خطابها وأدائها، وأن تتحرر من دائرة الجدل النظري والشعارات التي لم تعد تقنع أحداً، وأن تتقدم نحو دور أكثر فاعلية وتأثيراً في تعزيز الوحدة الوطنية. اللحظة الراهنة لا تحتمل ترف الخطاب العالي الذي لا يترجم إلى أفعال، بل تحتاج إلى مبادرات جريئة تُسهم في تقريب المسافات، وبناء جسور الثقة، وتشكيل حالة وطنية جامعة قادرة على مواجهة التحديات.
إن دماء الشهداء التي لم تجف بعد، وآهات الأسرى في الزنازين، وصمود الناس في وجه القهر اليومي، كلها تنادي بوحدة حقيقية لا شكلية، وبقيادة ترتقي إلى مستوى التضحيات. فإما أن يكون هذا العيد بداية لمراجعة شاملة تعيد تصويب المسار، وإما أن تستمر الدائرة المغلقة التي يدفع ثمنها شعبٌ بأكمله. التاريخ لا يرحم، والشعوب لا تنسى، واللحظات الفاصلة لا تتكرر كثيراً، ومن لا يلتقطها يترك نفسه خارج معادلة المستقبل







