“كريمة الحسيني” شاعرة تونسية معاصرة, غزيرة الإنتاج وعضوة في اتحاد الكتاب التونسيين، تنحدر من مدينة الكاف. تميزت بقصائدها التي نشرت في الصحف التونسية والعربية، صدر لها ثلاث مجموعات شعريّة: “تناقضات أنثى” و” لا ظل يشبهني” و”مواويل للعشق والشجن”. حظيت كتاباتها باستحسان النقاد وتم تكريمها في عدة مهرجانات، وتعتبر من الأصوات النسائية البارزة.
البنية السرديّة أو الحكائيّة للقصيدة:
نحن أمام نص إشكالي في دلالاته, ففي الوقت الذي تجد فيه حنيناً إلى الماضي لتخليص الإنسان الراهن من شقائه وبؤسه وآلامه وعذابه, تجد فيه أيضا بحثاً عن مستقبل يؤمل فيه الخلاص.. وهذه إشكالّية المأساة التي غابت فيها القدرة على تحديد طريق للخروج منها في الزمان والمكان أيضاً.
ففي قصيدة (نص حزين) للشاعرة ” كريمة الحسيني” نقف أمام شاعرة متمكنة من أدواتها المعرفيّة والفنيّة. استطاعت أن تتناول في قصيدتها مأساة فتاة أرهقها الحاضر, وتركتها مأساتها في حيرة من أمرها في كيفيّة الخلاص من هذه المأساة ما بين البحث عنه في الماضي, أي الفردوس المفقود, أم في الحاضر الذي غابت فيه ملامح الاستقرار والأمان ودفء الروح والجسد. وعلى هذا جاء عنوان القصيدة (نص حزين).
في هذا (النص الحزين) تحاول “كريمة الحسيني” (تصحيح) موقف ملتبس من الحياة التي لم نزل فيها نتمسك بالماضي الذي تلبس عقولنا وقيمنا وعاداتنا وتقاليدنا وأشواقنا.. ونجدها هنا تقول: (فأشواقنا لم تزل قديمة وكذلك عبثنا).. فذاكرتنا لم تزل مشبعة بالماضي وقضاياه وناسه.. (أنت لست وحدك في الذاكرة كما قلت لك.. هناك أيضاً فتاة بلا أب.) تبحث عن الحقيقة رغم أنها لم تزل تشارك رفيقاتها السكن واللعب والكذب أيضاً.
كبرت الفتاة ..وما زال الماضي يعشعش في ذاكرتها.. للبحث عن ذاتها.. لم تتعب.. (فهي تجري آخر النهار لأوراقها.. لألبوم صورها.. والصناديق القديمة والوادي تبحث عن أب) أي عن المخلص الذي سيخلصها من معاناتها ولكنها لم تجده بعد .. فظل التساؤل عندها قائما, ترى هل اختفى هذا المنقذ (عبثاً أو مصادفة ولم ينتبه له أحد..)؟.. نعم إنها تكره التمسك بالمضي عل خطى الآباء (القادمون من خلف التلال لشراء الحلوى والدمى لبناتهم).. إنها تبحث عن حريتها عن (أب).. عن مستقبل لعلها تجد فيه ذاك المخلص.. لقد قالت لها أمها إنه سيأتي لا محال في (الطائرة) .. ولكن الطائرة لم تأت بعد .. لقد ابتلعها ضباب الزمن المر بكل تخلفه.. فراحت “كريمة” تصنع (آلاف الطائرات الورقيّة التي أطلقتها في الريح, ولكن لم يأت الأب المخلص.. ربما نسيت أن تكتب العنوان لسائق الطائر). أو ربما العنوان نفسه لم يزل مجهولاً في متاهة بؤسنا.
البنية الفكريّة للقصيدة:
إنّ الأديب الحقيقي الملتزم بواقعه الاجتماعي, شاعراً كان أو قاصاً أو روائيّاً, لا يفصل الحالة الأدبيّة التي يشتغل عليها عن الحالة الاجتماعيّة التي تحيط به أو ينشط داخلها, لما بينهما من ترابط عضوي، وتشابك يصل إلى حدّ التماهي، إنّ الأديب الواقعي يظل جزءاً لا يتجزّأ عن محيطه ممثلاً في أسرته ومجتمعه وأمته ووطنه, فهو في كينونته ظاهرة اجتماعيّة بامتياز, تنطلق من المجتمع لتصبّ فيه، وهو أيضاً جزء من تراث هذه الأمّة في مرحلة اجتماعيّة معيّنة عبر التاريخ, أي هو جزء من ماضيها ومؤسس بالضرورة لمستقبلها أيضاً…هو الطاقة الابداعيّة التي تعكس حال المجتمع في تحوّلاته المستمرّة، وبناءً على كل ذلك هو صورة المجتمع. فليس دوره مقتصراً على تصوير الواقع وقضاياه فحسب, بل عليه أيضاً أن يعمل على تنميته وتطويره من خلال إظهار عوامل تخلفه ورسم الحلول لتجاوز معوقات هذا التخلف.
ما تريد الوصول إليه الشاعرة “كريمة” هو توصيف حالة المرأة قد وعت ذاتها, تحت مظلة أجواء من التخلف المزمن لا زالت تعيش فيه المرأة بشكل عام في عالم تحكمه الذكورة, فراحت تبحث عن دورها ومكانتها في هذا العالم, إلا أنها لم تجد أمامها سوى آفاق مسدودة, فالماضي لا زال بكل عجره وبجره يتحكم ليس بها فحسب, بل وفي محيطها الاجتماعي أيضاً, أما المستقبل فلم يزل غامضاً في معطياته, وبالتالي فرض عليها أن تُحكم بالأمل وتعوّل عليه للخلاص من قهرها وظلمها وغربتها الروحيّة.
البنية السيمائيّة أو الدلاليّة لعنوان القصيدة:
لم يأت عنوان القصيدة (نص حزين) عبثياً في الحقيقة, فهو مشبع بحمولة واعية لدلالاته التي تعبر عن عالم المرأة اليوم, التي تعاني القهر والظلم والنظرة الدونيّة. وهذا ما فرض على عالمها بكل مفرداته (الحزن) أمام عجزها في الخلاص من قهر المجتمع الذكوري وتخلف الواقع معاً.
البنية الفنيّة والجماليّة في القصيدة:
اللغة في القصيدة:
لقد جاءت اللغة في القصيدة سهلةً, واضحةً, سمحةً, ناصعةً, وفصيحة, ومسبوكة الألفاظ, منسجمة مع بعضها في بنية القصيدة وخالية من البشاعة. فجودة السبك وبراعة صياغته وتسلسل عبارته وتخير ألفاظه وإصابتها لمعناها, كانت وراء سر فن التعبير في هذا النص الشعري. هكذا تتجلى رهافة وجماليّة لغة الشاعرة “كريمة الحسيني”.. فكل هذا البساطة التي حازت عليها لغة الشاعرة, عوضها في الحقيقة عن استخدام الصورة في القصيدة, وهذا قلما نجده عند معظم الشعراء تقريباً.
التجريد والغموض في القصيدة:
تتجسد عبقرية الشاعرة “كريمة الحسيني” من خلال قدرتها على التجريد في البنيّة الحكائيّة للقصيدة, فالفنيّة الحقيقيّة في التعبير الشعري تأتي مع الاشارة, فالعالم فنيّاً ليس أكثر من إشارة, أي ليس في تناول الظاهرة المباشرة, بل في الاشارة إليها, أي التعبير عما هو موجود وراءها, وهذا بالضّرورة نوعٌ من التّجريد.
إن الشاعرة المبدِعة “كريمة”, استطاعت عبر استخدامها الرموز والاشارات والايحاءات أن تتجاوز استخدام “الصّورة” في توصيل الفكرة لتركز على الرمز والاشارة في بوحها للوصول إلى المتلقي, عبر نسيج شفّاف من المعاني لا يحيل على الواقع المباشر، بل على معناه, فهي تقول:
(شوق قديم ..عبث قديم.. أنت لست وحدك في الذاكرة).. أو في قولها: (هناك أيضاً فتاة بلا أب.. على عكس رفيقاتها اللواتي يشاركنها السكن.. يشاركنها اللعب يشاركنها الكذب ). أو في قولها: (كبرت وما زالت تتجول في الذاكرة …لم تتعب تجري آخر النهار لأوراقها لألبوم صورها). أو في قولها: ( تكره خطا الآباء القادمون من خلف التلال.. لشراء الحلوى والدمى لبناتهم ).. الخ.
إن كلّ شاعر أو أديب مبدع, هو من يستطيع أن يتجاوز المباشرة في التعبير ليجعل ما يراه حسيّاً, أي ليس إلا عتبة لما لا يراه، ولا يُعنَى في بوحه هنا بالصّورة زخرفاً وشكلاً، كما يقول “أدونيس” وإنّما يُعنَى من حيث كونها تخبّئ دلالة، وتُشير إلى معنى. ولا تكمن أهميّة الرمز أو الاشارة في سطحها المرئيّ، بل في كونها عتبةً لمعنى ما وباباً يقود الناظر إلى ما وراءه. أي يقوده إلى غيب أو مجرّد ما، سواء في الذّات أو في الطّبيعة.
النغم والايقاع في القصيدة:
لقد تمرد الشاعر المعاصر وخاصة شاعر قصيدة (النثر) على الوزن والقافية, ولجأ إلى التنويع في الصوت والنغم، وأصبح الاهتمام بالإيقاع الداخلي يزداد, لكونه أشمل من الوزن والقافيّة ويتعدى في الدلالة. وقد تطور الإيقاع فانتقل من نظام الصوت المتشابه، ومن نظام الوزن الصارم في الشعر إلى إيقاع جديد متحرر متسامح مع نفسه, وبالتالي صار الصوت يؤدي دوراً بالغ الأهميّة في التأثير على المتلقي بما يحمل من خصوصيات في التنغيم والنبر والجهر والهمس عند الالقاء من جهة, ثم اعتماد الشاعر الحديث على الصورة والرمز بوصفهما مطلباً يُفضي إلى موسيقى جديدة تُنغمها مشاعره وانفعالاته المرتبطة بالموقف من جهة ثانيّة, وهذا ما أعطى قيمة أكبر للإيقاع النفسي, وللنسق الكلامي, لا لصورة الوزن العروضي داخل البيت الشعري.
إن كل هذه المعطيات التي تمثلها قصيدة النثر الحديثة نجدها في قصيدة “نص حزين” للشاعرة “كريمة الحسيني”. لقد استطاعت الشاعرة عبر كل الرموز والاشارات الحسيّة والتخيليّة, وعمق دلالاتها وسهولة لغتها التي وظفتها في النص الشعري, أن تقدم للمتلقي رتماً موسيقيّاً داخليّاً لنصها, كاد أن يعوض ما فقده النص من وزن وقافية. تقول الشاعرة: (هناك أيضاً فتاة بلا أب..على عكس رفيقاتها اللواتي يشاركنها السكن …يشاركنها اللعب .. يشاركنها الكذب..) .أو في قولها: (كبرت وما زالت تتجول في الذاكرة…لم تتعب.. تجري آخر النهار لأوراقها.. لألبوم صورها ). قالت (سيأتي في الطائرة.. لاحقت الطائرات الكبيرة التي سرعان ما يبتلعها الضباب.).
فبهذه الانسيابيّة في تلاحق الأصوات وجمالية وصدق وعمق دلالاتها, يشعر المتلقي بشفافيّة الرتم الموسيقي في هذه الصور وما تحمله من مواقف تهز وتحرك عنده خوالج الروح. لقد استطاعت الشاعرة عبر كل الرمزر والاشارات الحسيّة والتخيليّة التي وظفتها في النص الشعري, أن تمنح المتلقي من خلال ترابطها, وعمق دلالاتها وجماليّة لغتها, رتماً موسيقيّاً داخليّاً لنصها كاد أن يعوض ما فقده النص من وزن, أو موسيقى خارجيّة.
كاتب وباحث وناقد أدبي من سوريا.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
كريمة الحسيني :
(نص حزين)
تصحيح لنص قديم
شوق قديم
عبث قديم
أنت لست وحدك في
الذاكرة
كما قلت لك
هناك أيضاً فتاة بلا أب
على عكس رفيقاتها
اللواتي يشاركنها السكن
يشاركنها اللعب
يشاركنها الكذب
كبرت وما زالت تتجول
في الذاكرة
لم تتعب
تجري آخر النهار
لأوراقها
لألبوم صورها
للصناديق القديمة
والوادي الكبير تبحث عن
أب
ربما اختفى عبثاً
أو صدفة
ولم ينتبه له أحد
تكره خطا الآباء
القادمون من خلف التلال
لشراء الحلوى والدمى
لبناتهم
تقف وسط الساحة
الكبيرة
تدور حول نفسها
تبحث لها عن أب
كلما مرضت
أو سقطت على الأرض
وأدميت ركبتها
كان أبوها بعيداً
سألت أمها
قالت سيأتي في الطائرة
لاحقت الطائرات الكبيرة
التي سرعان ما يبتلعها
الضباب
صنعت آلاف الطائرات
الورقيّة
أطلقتها مع الريح
لم يأت الأب
ربما نسيت أن تكتب
العنوان لسائق الطائرة
كريمة الحسيني.







