السياسي -متابعات
في زمنٍ تميل فيه الدراما إلى المبالغة، والتمثيل إلى الضجيج، تختار ديمة قندلفت في مسلسل “النويلاتي” طريقاً أكثر صعوبةً: أن تقول كل شيء… من دون أن ترفع صوتها.
مسلسل “النويلاتي” من مسلسلات رمضان 2026، يقود العمل فيه إخراجيّاً يزن شربتجي، الذي يُعرف بحساسيته العالية تجاه التفاصيل الدقيقة، وحرصه على إيقاع بصري هادئ يفسح في المجال أمام الشخصيات كي تتنفس وتتكشف تدريجاً. هذا النهج لا يأتي منفصلاً عن طبيعة النص، بل ينسجم معه بعمق، حيث يتقدّم البناء الداخلي للشخصيات وصراعاتها على حساب الحدث الصادم، فيمنح الحكاية بعداً دراميّاً أكثر رسوخاً وصدقاً.
يحضر في “النويلاتي” طيفٌ واسع من نجوم الدراما السورية، يتقدّمهم ديمة قندلفت وسامر المصري، إلى جانب كلٍّ من فادي صبيح ومحمد حداقي وفايز قزق ونادين تحسين بيك… فضلاً عن حضور لافت لوجوه شابة تضخّ في العمل حيوية متجددة، وتُساهم في توسيع أفق الحكاية بين جيلٍ متمسك بالموروث وآخر يسعى إلى إعادة تعريفه.
في شخصية “خولة التاجر/ زهرة”، لا تعتمد قندلفت على الحوار بقدر ما تبني حضورها من خلال الجسد؛ ذلك الجسد الذي يتحول إلى نصٍّ موازٍ، يكشف ما لا يُقال، ويبوح بما تخفيه الكلمات. نحن هنا أمام أداء لا يُشاهد فقط، بل يُقرأ، كما تُقرأ سطور خفية بين حكايات النول وخيوط الحرير.
أول ما يلفت في هذا الأداء هو الاقتصاد في الحركة. “خولة” لا تُكثر من الإيماءات، ولا تندفع في ردود فعلها، بل تميل إلى الثبات، كأنها تدرك أن القوة الحقيقية لا تحتاج إلى استعراض. وقفتها المستقيمة، رأسها المائل قليلاً، وحركتها المحسوبة، كلها تشير إلى شخصية تراقب أكثر مما تتكلم، وتفكر أكثر مما تُظهر. إنها امرأة تعرف موقعها جيداً، ولا تشعر بالحاجة إلى إثباته.

ديمة قندلفت في شخصية “خولة التاجر”
لكن مركز الثقل الحقيقي في لغة الجسد عند قندلفت يبقى في العينين. نظرات طويلة، ثابتة، تكاد تخترق من أمامها، لا على سبيل التحدي فقط، بل كنوع من الفحص والتقدير. في هذه النظرات، تختلط السلطة بالحذر، والصلابة بشيء من القلق المكتوم. وحين تمرّ لحظة عاطفية، لا تنفجر، بل تومض سريعاً، كوميض برقٍ في سماءٍ ملبّدة، ثم تختفي، تاركةً أثرها العميق في المتلقي.
أما اليدان، فلهما حضورهما الخاص، خصوصاً في عملٍ يتخذ من النول والحرير خلفية له. حركات خولة اليدوية تبدو دقيقة، بطيئة، أقرب إلى فعل النسج منها إلى الانفعال. لا تلوّح كثيراً، ولا تشير بعصبية، بل تستخدم يديها كما يستخدم الحِرفي أدواته: بحذر، وبوعي، وبإحساس عميق بالسيطرة. حتى في لمسها للأشياء، ثمة رغبة خفية في امتلاكها، أو على الأقل في فهمها.
وفي علاقتها مع الآخرين، تتجلّى لغة المسافة بوضوح. “خولة” لا تقترب كثيراً، تحافظ على حيزها الخاص، كأنها ترسم حدوداً غير مرئية بينها وبين العالم. لكن حين تختار أن تقترب، يتحول هذا الاقتراب إلى حدث في حد ذاته، يحمل دلالات تتراوح بين التهديد والبوح. وهنا تحديداً، في تفاعلها مع شخصية فيصل (سامر المصري) تبدو المسافة لعبة شدّ وجذب، بين رغبة في القرب، وخوف من الانكشاف.
ما يميز أداء قندلفت في “النويلاتي” ليس فقط إتقانها للأدوات، بل قدرتها على حمل التناقض داخل الجسد. وجه هادئ، لكن بتوتر خفيف في التفاصيل. نظرة قوية، تخفي خلفها هشاشة عابرة. ثبات خارجي، يقابله اضطراب داخلي لا يظهر إلا لمَن ينعم النظر. وهذا ما يجعل “خولة” شخصية إنسانية، لا نموذجاً جامداً للمرأة القوية.
رغم هذا التماسك اللافت في الأداء، يمكن التقاط بعض الملاحظات البسيطة، كشيء من التفاوت في الإيقاع الجسدي في بعض المشاهد، أو ميلٍ عابر نحو صرامةٍ جسدية تفوق أحياناً ما يقتضيه الموقف الدرامي. غير أن هذه التفاصيل، على محدوديتها، لا تنتقص من اكتمال التجربة، بل تذوب داخل حضورٍ عام نجح في ترسيخ شخصيةٍ معقّدة ومقنعة، تظهر “خولة” في محصّلتها شخصية صارمة رغم أنها داخليّاً ككل امرأة تحمل الكثير من الضعف.








