لم تعد المواجهة مع إيران مجرد اختبار لتوازنات القوة في الشرق الأوسط، بل تحوّلت إلى مرآة تعكس أزمة أعمق في بنية النظام الدولي ذاته، بل وحتى داخل الدولة التي قادت هذا النظام لعقود بشكل أحادي. فمع تصاعد العمليات العسكرية، لم يعد السؤال محصوراً في حدود الردع والحرب، بل امتد ليطال أسس الشرعية الدولية، ومعايير استخدام القوة، وحدود القرار داخل واشنطن نفسها التي يتخبط رئيسها تصريحات متباينة. فبينما تُطرح دعوات لتشكيل تحالفات دولية جديدة، تتكشف في المقابل مؤشرات على انقسام غير مسبوق داخل المؤسسات الأميركية، بما يطرح تساؤلات جدية حول ما إذا كان العالم يشهد مجرد صراع جيوسياسي عابر، أم بداية تحوّل أعمق نحو نظام دولي تتراجع فيه القواعد لصالح موازين القوة، قبل انتقاله الى شكل جديد متعدد الأقطاب.
فبين الدعوات لتحالف دولي وتصاعد الردع الإيراني بالحدود الممكنة والمكلفة، يختبر العالم اليوم توازن القوة مقابل القانون الدولي.
ومع تصاعد المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى نتيجة هذا العدوان الغاشم، يعود سؤال النظام الدولي إلى الواجهة، هل ما زال العالم يُدار بقواعد القانون الدولي، أم أنه يدخل مرحلة جديدة تحكمها موازين القوة والتحالفات العسكرية؟
لم يكن الحديث عن تشكيل تحالف دولي لمواجهة إيران جديداً، غير أن الدعوة التي أطلقها دونالد ترامب في خضم هذه الحرب أعادت طرح سؤال جوهري حول طبيعة النظام الدولي وهو، هل ما يجري يعكس إرادة دولية مشتركة، أم أنه تعبير عن منطق القوة الذي بدأ يطغى على قواعد القانون الدولي والمؤسسات الأممية التي نشأت بعد الحرب العالمية الثانية، والتي يسعى التحالف الأميركي – الإسرائيلي إلى تهميشها، بما ينعكس على قضيتنا الوطنية؟
منذ اندلاع العدوان، بدا المشهد الدولي متناقضاً، فالهجوم على إيران جاء في سياق مواجهة تقودها قوتان نوويتان تمتلكان تفوقاً عسكرياً هائلاً وتمارسان جرائم حرب، ومع ذلك لم يظهر موقف دولي واضح يدين هذا التصعيد أو يسعى لاحتوائه ضمن إطار القانون الدولي وفي اطار الحفاظ على الأمن والسلم الدوليين ، بل تحوّل في جزء منه إلى لوم الضحية في ممارسة حقها في الدفاع عن نفسها امام الهجوم، كما جرى ويجري في وصف حالة نضال شعبنا الفلسطيني من اجل حريته. وحتى القوى الغربية التي تقدم نفسها كمدافعة عن النظام الدولي اكتفت بمواقف حذرة لا ترتقي إلى مستوى وقف العدوان، وهو ما يعكس عمق الأزمة التي يمر بها هذا النظام، وهي ذات الدول التي تعجز عن اتخاذ إجراءات حقيقية لإنهاء الاستعمار الإسرائيلي.
إن وقوف عدد من الدول خلف السياسة الأميركية لا يمنحها شرعية دولية، فالتاريخ مليء بتحالفات تشكلت تحت ضغط موازين القوة لا تحت مظلة العدالة. ولذلك يبدو التحالف الذي تسعى واشنطن إلى تشكيله أقرب إلى محاولة إضفاء طابع دولي على صراع تقوده الولايات المتحدة وإسرائيل لمنع التحول البطيء في بنية النظام الدولي وفي مواجهة الشرق وتحديدا منه الصين وروسيا، أكثر مما هو تعبير عن إجماع حقيقي.
في هذا السياق، برزت قضية مضيق هرمز كأداة ضغط رئيسية بيد إيران، غير أن إغلاق هذا الممر الحيوي لا يمكن أن يستمر طويلاً نظراً لأهميته للاقتصاد العالمي. لذا تبدو هذه الخطوة أقرب إلى تكتيك لفرض معادلة ردع مؤقتة وإجبار المجتمع الدولي على التعامل مع الأزمة كقضية دولية، بما تملكه أيران من موقع جغرافي يمنحها قدرة تأثير يصعب تجاهلها في معادلات أمن الطاقة، حيث تتحول الجغرافيا إلى عنصر قوة استراتيجية.
في المقابل، تكشف الدعوة الأميركية لتشكيل تحالف دولي، في ظل التخبط في تصريحات ترامب، عن مفارقة لافتة، إذ أعلن أكثر من مرة تحقيق أهداف عسكرية ضد إيران. لكن إذا كان الأمر كذلك، فلماذا الحاجة إلى تحالف جديد؟ هذا التناقض يعكس حقيقة أن التفوق العسكري لا يعني تحقيق الحسم السياسي وفق الاهداف التي أعلنها الثنائي ترامب ونتنياهو.
فميزان الردع لا يقوم على التكافؤ العسكري فقط، بل على قدرة كل طرف على إلحاق كلفة كافية بخصمه، وهو ما تحاول إيران فرضه عبر التأثير في عصب النظام الاقتصادي الذي تقوم عليه الهيمنة الأميركية.
أما الموقف الأوروبي، فيعكس حالة من التردد، حيث تدرك الدول الأوروبية مخاطر الانخراط في مواجهة مفتوحة، وهو ما يفسر تحفظها رغم الضغوط الأميركية.
وهنا لا يمكن فهم هذه الأزمة بعيداً عن الدور الإسرائيلي، فإسرائيل تعتمد في استمرار هذه المواجهة على الدعم الأميركي لها، في وقت بدأت هذه الحرب تفتح نقاشاً متزايداً داخل الولايات المتحدة حول طبيعة العلاقة مع تل أبيب، وما إذا كانت السياسات الإسرائيلية تدفع واشنطن إلى صراعات لا تخدم مصالحها.
ولم يعد هذا النقاش مقتصراً على الأوساط السياسية، بل وصل إلى قلب المؤسسات الأمنية الأميركية، حيث شكّلت استقالة “جوزيف كانت”، مدير المركز الوطني لمكافحة الإرهاب، احتجاجاً على الحرب ضد إيران، مؤشراً غير مسبوق على حجم الانقسام داخل بنية القرار في واشنطن نفسها. فتصريحاته التي شكك فيها بوجود تهديد إيراني وشيك تعكس أزمة أعمق في تعريف المصالح القومية الأميركية، وتآكلاً في الإجماع التقليدي الذي رافق الحروب السابقة، ما يعزز أن القرار لا يُدار وفق قواعد النظام الدولي أو حتى وفق تقدير مؤسساتي موحد، بل تحت تأثير اعتبارات القوة والتحالفات التي تبنيها الترامبية.
— فراغ استراتيجي في المنطقة.
ربما يكون البعد الأخطر هو ما تكشفه هذه الأزمة من فراغ استراتيجي عربي. فللمرة الأولى، تبدو العلاقة مع الولايات المتحدة لدى بعض الدول مصدراً للقلق بقدر ما كانت تُعد ضمانة للأمن، وهو تحول قد يترك آثاراً عميقة على التفكير الاستراتيجي في المنطقة.
إن ما يجري لا يتعلق فقط بإيران، بل بتحولات أعمق في النظام الدولي والإقليمي، الذي يتجه نحو مرحلة تحكمها القوة والتحالفات، خاصة في منطقتنا، حيث قد تتمكن إسرائيل من فرض هيمنتها بشكل أوسع.
فما يحدث اليوم ليس مجرد مواجهة، بل اختبار لقدرة النظام الدولي على البقاء نظاماً تحكمه القواعد، لا ساحة تحكمها القوة، وهو ما ينعكس مباشرة على فلسطين في ظل تصاعد الاستيطان والضم ومحاولات إعادة إنتاج الأحتلال وتوسيعه.
وفي ظل هذا المشهد، تصبح منطقتنا أكثر عرضة لتداعيات هذه التحولات، ليس فقط كساحة صراع، بل كمنطقة يُعاد تشكيلها وفق موازين جديدة قد تفرض وقائع طويلة الأمد، وفي مقدمتها تكريس الهيمنة الإسرائيلية إذا ما استمر غياب موقف عربي فاعل.
وعليه، فإن المرحلة الراهنة لا تحتمل الاكتفاء بردود الفعل أو التعويل على نظام دولي يتآكل من الداخل، بل تفرض ضرورة بناء رؤية فلسطينية وعربية تستند إلى قراءة دقيقة للتحولات، وتعمل على توظيفها لحماية المصالح الوطنية وتعزيز صمود شعبنا، وإعادة وضع القضية الفلسطينية في موقعها الطبيعي كقضية مركزية.





