برحيلِ يورغن هابرماس، لا يغيبُ اسمٌ في سجلّ الفلسفة المعاصرة فحسب، بل تنطوي صفحةٌ من صفحاتِ الصراعِ الطويل بين العقلِ ونقائضه، بين الوعدِ التحرّري للحداثة وانكساراتها المتلاحقة. لقد عاش هابرماس قرابة قرنٍ من التحوّلات العاصفة، وكان شاهداً—بل ومُشاركاً نظرياً—في إعادةِ صياغةِ سؤال العقل بعد الكوارث الكبرى التي مزّقت أوروبا في القرن العشرين.
غير أنّ موتَ الفيلسوف لا يُنهي مشروعه، بل يفتحُه على مساءلةٍ أشدّ قسوة: هل ظلّ وفيّاً لمبادئه؟ أم أنّ المسافة بين النظرية والموقف كشفت عن شقٍّ عميقٍ في بنية هذا المشروع ذاته؟
من إرث النقد إلى تأسيس الأمل
ينتمي هابرماس إلى الجيل الثاني من مدرسة فرانكفورت، تلك المدرسة التي انطلقت مع ماكس هوركهايمر وثيودور أدورنو في نقد العقل الأداتي الذي حوّل الإنسان إلى ترسٍ في آلة الحداثة. غير أنّ هابرماس، بخلاف نزعة التشاؤم الراديكالي التي ميّزت الجيل الأول، حاول أن يستعيد من داخل الحداثة إمكاناتها التحررية، لا أن يعلن إفلاسها.
لقد كان مشروعه—في جوهره—محاولةً لإنقاذ العقل من ذاته، عبر تحويله من أداة سيطرة إلى أفق تواصل. وهنا تتبدّى فرادته: فهو لم يكتفِ بتشخيص المرض كما فعل ماكس فيبر في حديثه عن “القفص الحديدي”، بل سعى إلى اقتراح علاجٍ قوامه اللغة والحوار والاعتراف المتبادل.
في “نظرية الفعل التواصلي”، يصبح الإنسان كائناً لغوياً قبل أن يكون كائناُ تقنياً، وتغدو الحقيقةُ نتاجَ تداولٍ بين ذواتٍ حرة، لا معطًى مفروضاً من سلطةٍ أو مؤسّسة. هكذا أعاد هابرماس الاعتبار لما سمّاه “الفضاء العمومي”، بوصفه المجال الذي تتشكّل فيه الإرادةُ الجماعية عبر النقاش العقلاني.
الحداثة بوصفها مشروعاً لم يكتمل
في مواجهة موجة ما بعد الحداثة—كما عند جان فرانسوا ليوتار—التي أعلنت نهاية السرديات الكبرى، دافع هابرماس عن الحداثة بوصفها “مشروعاُ لم يكتمل”. لقد رفض الانزلاق إلى العدمية، وتمسّك بإمكانية تأسيس أخلاق كونية قائمة على التفاهم، لا على الهيمنة.
غير أنّ هذا الدفاع، على طابعه الإنساني، لم يخلُ من إشكالٍ بنيوي: إذ ظلّ، في كثيرٍ من تحليلاته، أسيراً لأفقٍ أوروبيّ، يُقارب الحداثة بوصفها تجربةً معيارية قابلة للتعميم. وهنا انفتح مشروعه على نقدٍ يتّهمه بالمركزية الأوروبية، أي باعتبار التجربة الغربية مقياساً كونياً للحقيقة والتقدّم.
حينَ تصمتُ الأخلاق: مفارقة الموقف السياسي:
إذا كان هابرماس قد نظّر لأخلاقٍ تواصليّة تقوم على الاعتراف بالآخر، وعلى إتاحة المجال لصوته في الفضاء العمومي، فإنّ مواقفه السياسية الأخيرة—خصوصاً بعد أحداث السابع من أكتوبر—أثارت تساؤلاتٍ عميقة حول مدى انسجام النظرية مع التطبيق.
لقد وُجِّه إليه نقدٌ لاذع، إذ بدا أنّ صوته، الذي طالما دافع عن الحوار والعدالة، قد اختلّ توازنه حين تعلّق الأمر بمأساة إنسانية معاصرة. وهنا تنكشف مفارقةٌ مؤلمة: كيف يمكن لفيلسوف الأخلاق التواصليّة أن يتجاهل اختلال شروط التواصل ذاتها، حين يُقصى صوتُ الضحية أو يُهمَّش؟
إنّ هذا التوتر لا يُختزل في شخص هابرماس، بل يلامس بنية الفكر الغربي ذاته، حيث تتجاور القيم الكونية مع ممارساتٍ انتقائية. وكأنّ العقل، الذي أراد أن يكون كونياً، لا يزال مشروطاً بسياقاته التاريخية والسياسية.
من فيبر إلى هابرماس: جدل العقل والمعنى.
إذا كان ماكس فيبر قد كشف عن الوجه القاتم للعقلنة، حيث يتحوّل الإنسان إلى كائنٍ محكومٍ بالبيروقراطية والتقنية، فإنّ هابرماس حاول أن يفتح نافذةً نحو أفقٍ أكثر إنسانية. غير أنّ هذه النافذة، على رحابتها النظرية، تظلّ مهدّدةً بالانغلاق حين لا تجد ترجمتها الأخلاقية في الواقع.
وهنا يلتقي، على نحوٍ خفي، مع نقد ميشال فوكو الذي رأى أنّ كل خطابٍ عن الحقيقة يخفي وراءه شبكةً من السلطة، ومع قلق مارتن هايدغر من سيطرة التقنية على الوجود، ومع صرخة فريدريش نيتشه في وجه انهيار المعنى.
سؤال العرب: بين الاستهلاك والنقد
أمام هذا المشهد المركّب، يتجدّد السؤال العربي: كيف نتعامل مع هذا الإرث الفلسفي؟ هل نكتفي بتلقيه بوصفه معرفةً جاهزة، أم نحوّله إلى أداة نقدٍ لذواتنا وللعالم؟
لقد عرف التراث العربي لحظاتٍ من التوهّج العقلي مع ابن رشد والفارابي وابن سينا، حيث كان العقلُ مشروعاً للتحرير لا للتبرير. غير أنّ هذا الأفق انكفأ، ليُفسح المجال لخطاباتٍ تُعيد إنتاج السلطة بدل مساءلتها.
إنّ استحضار هابرماس في السياق العربي لا ينبغي أن يكون استنساخاً لنموذجه، بل تفكيكاً له:
كيف يمكن بناء فضاءٍ عموميّ في مجتمعاتٍ تُقيَّد فيها حرية التعبير؟
كيف يمكن تحقيق تواصلٍ عقلانيّ في ظلّ اختلال موازين القوة؟
وكيف يمكن للغة أن تكون أفقاً للحقيقة، لا أداةً للتضليل؟
خاتمة: إرثٌ مفتوح على المحاكمة
برحيل هابرماس، لا نودّع فيلسوفًا بقدر ما نواجه مرآةً تعكس تناقضات عصرنا. لقد قدّم مشروعاً عظيماً في الدفاع عن العقل التواصلي، غير أنّ هذا المشروع يظلّ—ككل مشروع بشري—مفتوحاً على النقد، بل وعلى المحاكمة.
فالفلسفة، في نهاية المطاف، ليست وفاءً للأسماء، بل وفاءٌ للحقيقة.
وبين القفص الحديدي الذي حذّر منه فيبر، والفضاء التواصلي الذي حلم به هابرماس، يبقى السؤال معلقاً:
هل يستطيع الإنسان أن يكون عادلًا في فكره… قبل أن يطالب العالم بالعدالة؟








