السياسي – شعار «الماغا» (إجعل أمريكا عظيمة مجددا) الذي أطلق في عهد الرئيس الأمريكي الراحل رونالد ريغان، في ظل ركود اقتصادي كبير، واستخدمه الرئيس دونالد ترامب في حملته الانتخابية الأولى، ولا يزال يعتمره مكتوبا على قبعته الحمراء، يؤكد أن الولايات المتحدة، التي كانت تسيطر على العالم اقتصاديا عبر أوراق الدولار التي لا تساوي سوى قيمة ورقها، بعد مؤتمر بروتون وودز الذي عقد في أعقاب الحرب العالمية الثانية، أن أمريكا لا يمكنها تحقيق الازدهار المنشود مرة ثانية، دون سرقة ثروات الشعوب بممارسة سياسة «الطغيان».
هذه السياسة اعتمدها بقوة المحافظون الجدد في الحزب الجمهوري منذ سبعينيات القرن الماضي، أي بعد اكتشاف العالم خدعة الدولار الكبرى، التي بدأها الرئيس الفرنسي شارل ديغول (في عام 1970 اكتشفت فرنسا أن أمريكا تقوم بأكبر سرقة عالمية بطباعة الدولار دون غطاء من الذهب، وبعد تفشي الفضيحة أوقفت فرنسا مع عدد من دول أوروبا وآسيا تعاملها بالدولار، وخاطب ديغول أمريكا بقوله: «لن تشتروا ذهبنا بالورق».
هذا القرار كان من شأنه أن يدمر الدولار والاقتصاد الأمريكي، لكن تم إنقاذ أمريكا من قبل الدول النفطية، وعلى رأسها السعودية ودول الخليج بالإعلان أنها لن تبيع النفط إلا بالدولار»، ومن هنا جاءت تسمية «البترودولار» التي جعلت الدولار يعود كعملة دولية متداولة بفضل دول النفط.
سياسة ممارسة «الطغيان» هذه التي تنتهجها الإدارات الأمريكية المتعاقبة مستمدة من فلسفة الأب الروحي للمحافظين الجدد في الحزب الجمهوري الفيلسوف اليهودي ليو شتراوس، الذي يقول في كتابه: «في الطغيان»: «إن هناك حق طبيعي واحد هو حق النخبة في حكم العوام، وحق الزوج في حكم زوجته، وحق القلة الحكيمة في حكم الأغلبية، وحق القوي في الحكم كمبدأ طغيان المستمد من الكتب القديمة، وهو حق طبيعي عن حق الأقوياء في السيطرة على الآخرين وقمعهم».
وتزداد وحشية «الطغيان» كلما شعرت أمريكا بأن مركزها العالمي يهتز وينحدر، خاصة مع بروز قوى جديدة على الساحة وأبرزها قوة الصين المهددة الفعلية لعرش أمريكا، وتشير البحوث والدراسات المتخصصة في الشؤون الأمريكية إلى أن نجم أمريكا كدولة تحكم العالم بدأ فعليا بالأفول، وهذا ما يقلق الساسة الأمريكيين، ويثير الهلع في مفاصلهم.
ومن هنا كان مستشار الأمن القومي الأمريكي زييغو بريجينسكي في كتابه الأخير «فرصة ثانية»، قبل وفاته قد حذر كلا من جورج بوش الأب، وبيل كلينتون، وجورج بوش الابن، من تبعات سياساتهم الخارجية إذ أشار إلى أن هؤلاء أهدروا الفرصة الأولى لقيادة العالم بعد سقوط الاتحاد السوفييتي، بسبب عدم وضوح الرؤية الاستراتيجية لديهم، لكن هناك «فرصة ثانية» وأخيرة يجب استغلالها، وفي وصية أخيرة رأى أن أمريكا كقوة عظمى هي في أيامها الأخيرة، وعليها أن تبني تحالفات جديدة مع منافسيها ولاسيما الصين وروسيا، وإعادة تنظيم للقوة العالمية».
لكن لم يأخذ رؤساء أمريكا بنصيحة بريجينسكي. فهذا الذعر الوجودي الذي يقض مضاجع الإدارات الأمريكية، دفعها باتجاه واحد لمواجهة التحولات التاريخية الحتمية: بناء قوة عسكرية كبيرة وقوية، والسيطرة على مصادر الطاقة والمعادن النادرة في العالم «بالطغيان»، فرض تعريفات جمركية فلكية لشفط أموال الدول حول العالم، لملء الخزائن الفارغة بـ»الطغيان» (يقدر حجم الدين الأمريكي بـ38 تريليون دولار) ولتبرير هذه السياسة يتم تقديم ذرائع واهية (امتلاك أسلحة دمار شامل كما حدث في العراق، تهديد المسيحيين كما حدث في نيجيريا، تهريب المخدرات في فنزويلا، بناء قوة نووية كما يحصل في إيران حاليا، شراء جزيرة غرينلاند بالتراضي، أو بالطغيان لاستثمار أراضيها العذراء وإجراء اكتشافات جديدة للطاقة، لأنها ضرورية للأمن الأمريكي، ضم كندا.. السيطرة على بنما..وسبحة الذرائع طويلة) بما يذكر بسياسة القوى الاستعمارية القديمة بالسيطرة على المواد الأولية في العالم، عبر إرسال جيوشها لاستعمار أكبر مساحة من أراضي بلاد العالم، وعلى المناطق الاستراتيجية فيها.
وثبات سياسة البيت الأبيض، خاصة في عهدي ترامب بتحويل إسرائيل إلى قوة عظمى طاغية في الشرق الأوسط، مسلحة بعصا غليظة تهوي على رأس كل دولة ترفع رأسها، إذا عارضت خريطة الطريق الصهيوـ إسرائيلية لبناء دولة إسرائيل الكبرى لما بعد الفرات، وما بعد النيل. وإسرائيل تعتمد على نظرية الطغيان بمسمى آخر: «رعاية القوة»، فبالنسبة لبنيامين نتنياهو فإن اتفاقيات إبراهيم تحققت بـ»القوة». إذ صرح بأن» الحكومات الإسرائيلية بقيادتي ترعى خلال السنوات العشر الأخيرة قوتنا الأمنية والاقتصادية والتكنولوجية والسيبرانية والدبلوماسية بشكل ممنهج. إسرائيل القوية تقرب إليها دولاً عربية»، وبالطبع «رعاية القوة» أيضا مدعومة من الإدارات الأمريكية، فترامب يبارك دولة الاحتلال بإهدائها الجولان السوري كما يقول: »لقد وهبت إسرائيل الجولان الذي يقدر ثمنه بترليونات الدولارات مجانا»، وبمفهوم آخر كأن هذه الأرض ملكه الخاص ويهبها من يشاء بـ»الطغيان».
وحدث ولا حرج في ما يتعلق باحتلال جنوب لبنان، وأراض جديدة في سوريا، والضفة الغربية، وغزة المجهولة المصير. ويؤكد هذه السياسة سفير أمريكا في تل أبيب مايك هاكابي بقوله: «إن لإسرائيل حق توراتي في احتلال الأراضي بين النهرين فالله وعد بها إبراهيم»، وبالطبع أكدها أيضا بنيامين نتنياهو، وأكثر من مسؤول أو حاخام.
هذه التصريحات أقامت الدنيا لدى بعض الدول العربية، التي وجدت نفسها ضمن هذا المخطط، دون اتخاذ أي إجراء من قبل الإدارة الأمريكية. اليوم الحرب الإسرائيلية ـ الأمريكية على إيران هي حلقة جديدة من الحروب الأمريكية بـ»الطغيان» في المنطقة من أجل إسرائيل وجعل أمريكا قوية مجددا.
فمشاريع الشرق الأوسط: «الشرق الأوسط الكبير»، «الشرق الأوسط الجديد».. التي منذ زمن تطرحها أمريكا لإعادة تشكيل الشرق الأوسط جميعها، تدور حول جعل دولة الاحتلال الإسرائيلي الدولة العظمى في هذا الشرق الأوسط التعيس، فمن الآن فصاعدا وبعد نهاية الحرب على إيران وتدمير بنيتها العسكرية وربما إسقاط النظام فيها على غرار إسقاط نظام صدام حسين في العراق، (وهنا تكتمل نصيحة السفير الأمريكي السابق في إسرائيل مارتن إنديك بالاحتواء المزدوج أي احتواء العراق وإيران)، وهكذا لن يبقى في الميدان سوى «حديدان» الإسرائيلي المالك لكل الأسلحة التي اخترعتها أمريكا بما فيها السلاح النووي، وسلمتها لحليفتها المدللة، المبجلة «الديمقراطية» الوحيدة التي تمتلك الجيش «الأكثر أخلاقية في العالم» في منطقة لم تعرف في تاريخها سوى الديكتاتوريات العاتية، والدول «الإرهابية» التي تشكل خطرا عليها وعلى العالم.
وهذا ما صرح به وزير الدفاع الأمريكي مؤخرا بالقول:» لا يمكن لأنظمة مصممة على أوهام إسلامية نبوية أن تمتلك سلاحا نوويا»، أما إسرائيل التي بنت كل دولتها على وعد إلهي لإبراهيم قبل ثلاثة آلاف عام يحق لها وحدها امتلاك السلاح النووي. وعليها أن تطبق مبدأ «الطغيان» لأنها الأقوى ويحق لها أن تحكم الضعفاء وتسيطر عليهم. وعلى كل الدول «ذات السيادة» يمنع عليها أن تمتلك أي سلاح فتاك بدءا بالنووي وانتهاء بالبازوكا، فقط يسمح بجيوش لا تمتلك سوى الأسلحة الفردية مثل الكلاشنيكوف، أو إم 16 وما شابهها فهي ليست بحاجة إلى أكثر من ذلك لضبط الأمن الداخلي وتأديب شعوبها. فهي أي إسرائيل اشترطت على حكومة دمشق نزع سلاحها من دمشق وحتى حدود الجولان، وتآمرت على سوريا لتقسيمها بدعم الأقليات، كي يسهل عليها تمزيقها.
لكن ليس كل ما يتمنى ترامب، أو نتنياهو يدركه فالعالم يتغير، والرأي العام العالمي يتغير، وغالبية الأمريكيين يدركون اليوم مدى خطورة انجرار ترامب إلى حروب نتنياهو، وأن سياسة «الطغيان»، و»رعاية القوة» لا تحقق الشعبية المطلوبة فحركة «ماغا» نفسها انقسمت على نفسها عقب الضربة العسكرية الأمريكية ضد إيران. فبينما يرى معسكر أن الرئيس تصرف بحزم في مواجهة خصم قديم، يشعر آخرون بأن ترامب قد خانهم، وتراجع عن وعوده الانتخابية وخان إرث شعار «أمريكا أولا» بابتعاده عن مبدأ تجنب الحروب الخارجية، وكذلك الكونغرس قد انقسم على نفسه بين الديمقراطيين والجمهوريين، بعد رفض الجمهوريين إيقاف الحرب. ويجد ترامب وإدارته صعوبة كبيرة بإقناع مؤيديه بأن هذه الحرب كانت استباقية لحماية أمريكا التي كانت مهددة بالصواريخ الإيرانية، وليست للاستيلاء على النفط الإيراني كالنفط الفنزويلي بـ»الطغيان»، وليست ضمن استراتيجية التضييق على الصين التي تتزود بالنفط الإيراني، وجعلها مضطرة بعد السيطرة عليه للتعامل مع أمريكا بشروطها إذا أرادت التزود به. لإعادة أمريكا عظيمة مجددا بـ»الطغيان».
-رياض معسعس






