غلبتني الليلة…
لم يكن حلمًا عابرًا
كان كابوسًا واضح التفاصيل… كأنه تقرير رسمي لكنه بلا توقيع.
فقد رأيتُ السيد الرئيس محمود عباس
وكالعادة… أبٌ حاني وهادئ و أنيق مبتسم…
لكن هذه المرة لم يكن يطمئن…
كان يروي.
قال لي:
“يا شادي… بدي أحكيلك عن قائد ثورة عظيم… بشبهني كثير
قلت: “واضح إنه تعب وهو بدو يحكي.”
قال:
“هذا القائد… قضى عمره كله يحاول يحرر بلده من أطول احتلال مرّ عليه.
شكّل حكومات… أكثر مما استقر.
سافر… أكثر مما نام.
زار مسؤولين… حتى صار اسمه معروف أكثر من قضيته.
وقف في الأمم المتحدة الف مرة
رافع علم فلسطين… وعلى كتفه مفتاح العودة…
ويقول:أحمونا … مشان الله احمونا.”
سكت… ثم ابتسم بسخرية موجعة:
“بس كانوا دايمًا يردوا عليه:
خفّف فاتورة الرواتب.”
يا لسخرية العالم…
قائد يطلب حرية…
فيُعطى نصيحة محاسبية.
قائد يطلب حماية شعب…
فيُسأل عن بند رواتب.
قال:
“القائد فكّر… يمكن في خلل.
قال خليني أفهم.”
طلب تحليل مالي.
جاءه خبير… يحمل الأرقام كأنها تهمة جاهزة.
قال:
“سيدي… 10% من اللي بياخذوا رواتب…
بياخذوا قد 85% من رواتب الموظفين.”
سكت القائد…
ثم قال:
“معقول؟ هدول شو؟
وزارة داخل وزارة؟”
قال الخبير:
“لا سيدي… هدول عائلات محمية
“فسّر…” قال القائد.
قال الخبير:
“بكل بساطة سيدي:
• الأب: وزير من 20 سنة… لدرجة إن الكرسي صار من أملاكه.
• الأم: وزيرة من 5 سنوات… وقبلها وكيل وزارة 15 سنة… يعني الخدمة مستمرة بالعائلة.
• الأبناء: فئة عليا… لأنهم وُلدوا في المكان الصحيح.
• البنات: سفيرات… أو شبه سفيرات… بدبلوماسية لازواجهم تحفظ اسم العائلة.”
القائد اشتد صوته:
“والسيارات؟”
قال الخبير:
“حوالي 6 سيارات حكومية…
سعرهم بين مليون ومليون ونص للسيارة الواحدة …
مش لخدمة المواطن…
بل لخدمة الحياة اليومية للعائلة الكريمة.”
هنا… انفجر الكابوس.
صرخ القائد:
“جيبهم فورًا!”
رد الخبير:
“لا يمكن.”
“ليش؟!”
“لأنهم عائلة كبيرة…
عندهم بيوت كثيرة…
حراسات كثيرة…
وتلفوناتهم مغلقة…
إلا إذا رنّ عليهم الواعظ الكبير…
اللي هو أصلًا… واحد منهم… بس بلباس مختلف.”
سكت القائد…
ثم قال:
“طيب والباقي؟”
قال الخبير:
“85% من الموظفين…
هدول اللي بدك تخفّض رواتبهم.”
“كيف عايشين؟”
“مش عايشين سيدي…
هدول شحادين راتب…
راتبهم ما بكفي أسبوع…
بس بكفي يخليهم واقفين… مش واقعين.”
ثم أكمل الرئيس الحكاية…
“القائد قرر ينزل يشوف بنفسه.”
أول محطة؟
وزارة.
مش أي وزارة…
وزارة فيها حركة سيارات أكثر من حركة العمل.
وقف القائد…
وشاف الجيبات الطوارق…
ألوانها مميزة… أسعارها فاضحة…
تمشي وكأنها موكب سيادي…
وهي بالحقيقة… رايحة مشوار خاص.
همست:
“سيدي… هاي مش مواصلات… هاي امتيازات على أربع عجلات.”
رد بهدوء قاتل:
“واضح إنها تخدم الطريق… بس مش طريق الناس.”
رجع القائد…
وقال جملة تختصر الكابوس كله:
“المشكلة مش في فاتورة الرواتب…
المشكلة في فاتورة العائلات.”
فجأة… سكت كل شيء.
نظر إليّ فخامة الرئيس
وسألني:
“هذا حلم… ولا كابوس؟”
قلت له:
“هذا كابوس سيدي…
بس الفرق إنه الكوابيس عادة بنصحى منها…
وهذا… لسه عايشين فيه.”
يا سيادة الرئيس…
القائد الذي تحدثت عنه…
لم يكن بحاجة أن يطرق أبواب العالم أكثر…
كان بحاجة…
أن يفتح بابًا واحدًا في الداخل.
باب مكتوب عليه:
ممنوع الاقتراب… عائلات محمية.
ابدأ من فوق…
حيث الجيبات اللامعة،
والحصانات الثقيلة،
والرواتب التي لا تُفهم.
وضع على يمينك…
رجالًا من فتح… مغاوير…
لا يعرفون “محمي”…
ولا يقبلون أن يكون الوطن إرثًا عائليًا.
لأن أخطر ما في هذا الكابوس…
أنه واضح جدًا…
لدرجة أن تجاهله… صار قرارًا.





