تشهد الأرض الفلسطينية في هذه المرحلة تصعيداً خطيراً في سلوك المستوطنين الذين انفلتوا من كل قيد، مستندين إلى حالة من الفوضى المسلحة والدعم السياسي العلني من أركان اليمين الصهيوني. لم تعد الاعتداءات تقتصر على حوادث متفرقة، بل تحولت إلى نهج يومي منظم يستهدف الإنسان الفلسطيني في أرضه وبيته ومصدر رزقه، حيث تُغلق الطرق، وتُحرق المركبات، وتُهدد القرى تحت سمع وبصر جيش الاحتلال، بل وبحمايته في كثير من الأحيان. هذه الممارسات تعكس عقلية استعمارية تسعى إلى فرض واقع بالقوة، وإرهاب السكان لدفعهم نحو الرحيل القسري.
لقد زادت تصريحات قادة اليمين تطرفاً من حالة الغطرسة هذه، حين بات التحريض على الفلسطينيين، بل وعلى مؤسساتهم الوطنية، خطاباً سياسياً معلناً لا يستدعي أي مساءلة. هذه اللغة التحريضية لم تعد مجرد مواقف إعلامية، بل أصبحت غطاءً سياسياً لسلوك ميداني عدواني، يهدف إلى تفكيك المجتمع الفلسطيني وضرب صموده الداخلي، في محاولة لإعادة إنتاج مشهد التهجير الذي فشل عبر عقود طويلة من الصراع.
ورغم هذا المشهد القاتم، فإن الحقيقة التي أثبتها التاريخ أن إرادة البقاء لدى الشعب الفلسطيني أقوى من كل مشاريع الاقتلاع. إن محاولات إفراغ الأرض من أهلها ليست سوى وهم يتجدد في العقلية الصهيونية، لكنه يصطدم في كل مرة بجدار الصمود الشعبي، وبالتمسك العميق بالأرض باعتبارها هوية ووجوداً لا يمكن التنازل عنه. الفلسطيني لم يكن يوماً عابراً في هذه الأرض، بل هو صاحبها، المتجذر فيها عبر التاريخ، والحاضر فيها رغم كل محاولات الطمس والإلغاء.
في هذا السياق، يبرز الدور التاريخي لحركة فتح كقائدة للنضال الوطني الفلسطيني، ليس فقط باعتبارها إطاراً سياسياً، بل كحالة نضالية متكاملة حملت على عاتقها مسؤولية الحفاظ على المشروع الوطني في أحلك الظروف. إن دور فتح اليوم يتجاوز البعد التنظيمي ليشمل مسؤولية وطنية شاملة في تعزيز صمود المواطن الفلسطيني، وتثبيته على أرضه، ومواجهة كل محاولات التهجير والتفريغ.
فتح مطالبة اليوم، أكثر من أي وقت مضى، بتعزيز حضورها الميداني بين أبناء شعبها، ودعم صمودهم عبر مختلف الوسائل، سواء من خلال العمل السياسي والدبلوماسي لكشف جرائم الاحتلال أمام العالم، أو من خلال تمتين الجبهة الداخلية وتعزيز الوحدة الوطنية، أو عبر دعم الأجهزة الأمنية في أداء دورها في حفظ الاستقرار الداخلي وحماية النسيج المجتمعي من محاولات التفكيك. كما أن عليها الاستمرار في تبني خطاب وطني جامع يعيد الاعتبار للمشروع التحرري، ويُفشل كل محاولات بث الفرقة والانقسام.
إن التحدي الأكبر في هذه المرحلة لا يكمن فقط في مواجهة عدوان المستوطنين، بل في القدرة على تحويل هذا العدوان إلى عنصر قوة يعزز وحدة الشعب الفلسطيني وتمسكه بأرضه. وهنا تتجلى أهمية فتح في كونها القادرة، بما تملكه من تاريخ وتجربة وامتداد شعبي، على قيادة هذه المرحلة، وترسيخ معادلة الصمود في وجه التغول الاستيطاني.
في النهاية، تبقى الحقيقة الثابتة أن الأرض التي رويت بدماء الشهداء لا يمكن أن تُنتزع بإرهاب المستوطنين ولا بقرارات السياسيين، وأن الشعب الذي صمد لعقود لن تنكسر إرادته أمام موجة جديدة من العدوان. ومع استمرار النضال، وتجدد العزيمة، سيبقى الفلسطيني ثابتاً على أرضه، وستبقى فتح، بما تمثله من رمزية ودور، في قلب معركة البقاء والحرية حتى تحقيق أهداف الشعب الفلسطيني في التحرر والاستقلال








