حين تكون الحرب… أخلاقًا لا سلاحًا

بقلم: شادي عياد

في زمنٍ تُقاس فيه القوة بعدد الصواريخ… ويُختصر فيه النصر بمشهد الدمار، يخوض الرئيس محمود عباس حربًا من نوعٍ آخر… حربًا لا تُرى في نشرات الأخبار ولكنها تُكتب في سجل التاريخ.

هم أقوياء عسكريًا… ونحن ضعفاء في ميزان السلاح،
لكنهم يقاتلون ليُلغوا الآخر… بينما يقاتل هو ليُثبّت وجوده و وجود شعبه شعب الأحرار .
حربهم للقتل والدمار… وحربه للحياة والسلام.
هم يَعدّون عدد الحروب التي خاضوها… وهو أمضى عمره يمدّ خطوط السلام، طريقًا طويلًا لا يختصره صخب اللحظة.

ومع ذلك… يصرّ البعض على أن يضع الجميع في سطرٍ واحد وكأن الحبر لا يميّز بين من يبني ومن يهدم.

إنها مفارقة قاسية… أن يُحارب رجلٌ لأنه اختار السلام،
وأن تُفرض عليه حربٌ لم يختر أدواتها، ولا يملك كامل مفاتيحها.
رجلٌ شابٌ في فكره… “ختيار” في تجربته… لم تُكتب له دائمًا كل أدوات التنفيذ التي تليق بنُبل المقصد “الحكومة ”
ومع ذلك… يواصل المشوار.

يواصل، بعناد من يعرف أن بناء الدار أصعب من هدمها،
وبصبر من يدرك أن الطريق إلى الحرية لا يُعبد فقط بالشعارات… بل بالعمل التراكمي رغم كيد من يدّعون الصداقة… ورغم كيد الأشرار.

والحقيقة التي لا تُقال كثيرًا… أن هذه الحرب ليست فقط على حدود الجغرافيا،
بل أيضًا في عمق الداخل… حيث الفساد يتسلّل بصمت مرة وضجة مرات وحيث المعركة تحتاج إلى شجاعة من نوعٍ آخر.
معركة لا تُخاض بالكلمات العالية بل بإرادة صلبة، يساندها رجال أمنٍ بواسل وأحرار… وقضاءٌ عنيد لا يساوم على الحقوق حتى في أصعب الظروف.

وهنا… تقف حركة فتح اليوم أمام لحظة صدق مع ذاتها،
فصقورها الآن مع الاخ الرئيس….وإلى جانبه في خندقٍ واحد
ونحن لا نريدهم معه لساعة موقف… بل نريدهم معه طوال المشوار من الاخ جبريل إلى الاخ حسين وباقي الاخيار .
نريدهم كما كانوا… عصب المشروع ودرع البناء وكتفًا لا يميل.

وحركة فتح وهي على أبواب محطة مفصلية، مطالبة بأن تعيد إنتاج أدواتها… لا بالشكل بل بالمضمون
وأن تُقدّم نماذج تشبه روحها الأولى… صقورًا لا تساوم ولا تنكفئ بل تبني وتُساند.

أما أولئك الذين يخلطون الأوراق…
فيعيدون إنتاج الحكايات القديمة بثيابٍ جديدة،
فمرةً يأتوننا بقميصٍ مُلطّخٍ بدمٍ ليس لصاحبه… كما في حكاية يوسف عليه السلام ،
ومرةً يُتقنون نسج روايةٍ محبوكة ككذبة ليلى التي لا تصمد أمام شمس الحقيقة… كما في قصة ليلى والذئب
فهؤلاء لا يصنعون وعيًا… بل يبيعون الوهم.

وما بين القميص الملطخ زورًا… والحكاية المنسوجة كذبًا،
تضيع الحقائق… لو لم يكن هناك من يتمسّك بها.

وفي زوايا المشهد… يظهر الواعظ الدجّال
يرفع صوته عاليًا… ويُكثر من توزيع الاتهامات من خلال الجعار ،
لكنه يقترب يومًا بعد يوم من لحظة انكشافه ومحاكمته في محاكم الثوار …
حيث لا مكان في هذا المشروع لمن يتاجر بالكلمة الكاذبة او يلبس ثوب النصح وهو أبعد ما يكون عنه.

أما الشعب… فرغم التعب لا يزال يعرف بوصلته.
يقف مع مشروعه الوطني ومع قيادته حين تقترب منه، ومع فتح حين تعود إلى ذاتها وهي عائدة لا محال .

وفي النهاية…
ليست كل الحروب تُربح بالسلاح،
ولا كل الهزائم تُقاس بالخسائر اللوجستية .

فهناك حربٌ تُخاض بصمت… عنوانها البقاء،
وقائدها رجلٌ يصرّ أن يبني… حتى حين ينشغل الآخرون بعدّ وصنع الخراب.

وفق الله رئيسنا… وأعان صقور الفتح على أن يبقوا كما يجب ونحب ،
معه… لا حوله،
ثابتين… لا عابرين،
حتى يكتمل ما بدأه الراحل الكبير…
ويَنعم شعب الأحرار بحريته الكاملة.