في مقابلة مطولة تناولت مسار الحرب مع إيران، قدّم الأستاذ الشهير للعلوم السياسية في جامعة شيكاغو روبرت بيب Robert Pape، والذي عمل مستشارا لعدد من الإدارات الأمريكية خلال العشرين عاما الماضية، تصورًا متكاملًا لما يسميه “فخ التصعيد”، وهو التصور الذي تنبأ به قبل اندلاع الحرب الإيرانية بأسبوع، وذكر أن الأحداث الجارية تسير الأن بالفعل وفق مراحله المتتابعة التي توقعها.
وبحسب هذا التصور، فإن الولايات المتحدة لم تعد أمام حملة عسكرية محدودة يمكن ضبطها بسهولة، بل أمام دينامية حرب تتدرج على مراحل ثلاثة، على الأقل، تبدأ من الضربات الذكية، إلى الرد الاقتصادي الأفقي، ثم إلى خيارات التدخل البري المحدود، مع بقاء احتمالات أكثر خطورة في المراحل اللاحقة.
ما يجعل هذا الطرح لافتًا ليس فقط لغته التحذيرية، بل أيضًا اعتماده على فكرة مركزية مفادها أن النجاح التكتيكي لا يعني تحقيق الهدف الاستراتيجي، فالضربات قد تدمر أهدافًا وتقتل قادة وتلحق أضرارًا مباشرة، لكنها قد تفشل في تغيير سلوك الخصم أو إسقاطه أو حتى إضعاف قدرته على الرد. وفي هذه الحالة، تتحول العملية العسكرية من أداة للحسم إلى آلية لإنتاج المزيد من التصعيد.
المرحلة الأولى: “القنابل الذكية” التي لا تحقق الحسم
يرى بيب أن الحرب بدأت بما يسميه المرحلة الأولى من فخ التصعيد: ضربات دقيقة وفعالة من الناحية العملياتية، لكنها غير قادرة على تحقيق الأهداف السياسية الكبرى. فمن وجهة نظره، لم تؤدِ هذه الضربات إلى إسقاط النظام الإيراني، ولم تدفعه نحو موقف أكثر مرونة، بل على العكس، أدت إلى صعود قيادة أكثر تشددًا وأكثر اندفاعًا نحو الرد.
وفي تقييمه، لا تكمن المشكلة في دقة القصف أو كفاءة السلاح، بل في الافتراض الخاطئ بأن تدمير الأهداف يعني إنهاء المشكلة، فالحرب ضد دولة بحجم إيران، وبعمقها الجغرافي والسياسي، لا تُحسم فقط عبر استهداف المنشآت أو القيادة، لأن النظام لا يتصرف كوحدة ميكانيكية تنهار بمجرد تلقي الضربة، بل كمنظومة قادرة على إعادة التموضع والتكيف واستثمار الحرب نفسها لإعادة إنتاج القوة.
ويذهب بيب أبعد من ذلك حين يقول إن إيران، خلال أيام الحرب، لم تخرج أضعف اقتصاديًا كما كان متوقعًا، بل تمكنت من توسيع نفوذها على جانب حيوي من تجارة النفط، وواصلت تصدير نفطها وتحقيق عوائد مالية يرى أنها تمنحها قدرة على إعادة بناء ما تهدم.
المرحلة الثانية: الرد الإيراني وتحويل الحرب إلى صراع اقتصادي
وفق هذا الإطار، دخلت الحرب الآن بعمق في المرحلة الثانية، التي يسميها بيب “التصعيد الأفقي”. هذا النمط من التصعيد لا يقوم على المواجهة التقليدية المباشرة، بل على نقل الحرب إلى الحقول الاقتصادية والبنى الحساسة في الإقليم. لذلك، فإن استهداف بنية الطاقة والضغط على أسواق النفط ورفع كلفة الحرب على الولايات المتحدة وحلفائها يصبح جزءًا من استراتيجية إيرانية طويلة النفس.
هنا يطرح بيب فكرة شديدة الأهمية: إيران لا تحاول أن تكسب الحرب وفق المعايير الكلاسيكية للمواجهة بين جيشين، بل تحاول أن تغيّر شروطها، فبدلًا من خوض معركة بحرية أو جوية تقليدية في ميدان تتفوق فيه واشنطن، تعتمد على حرب غير متناظرة تضرب فيها “الأعمدة الاقتصادية” للخليج والعالم، وتستثمر هشاشة نظام الطاقة العالمي وارتباطه بمضيق هرمز. من هذا المنظور، فإن الرد الإيراني، كما يصفه بيب، ليس ردًا انفعاليًا أو مؤقتًا، بل جزء من استراتيجية استنزاف تحوّل الحرب من عملية عسكرية محدودة إلى أزمة عالمية في الطاقة والاقتصاد والأمن البحري.
هرمز: مركز الثقل في الحرب
يعتبر بيب أن مضيق هرمز أصبح الآن مركز الثقل الرئيسي في المرحلة الثانية من الحرب. فالتحكم بهذا المضيق، أو حتى امتلاك القدرة على تهديد الملاحة فيه، يمنح إيران أداة ضغط هائلة تتجاوز حدود المواجهة العسكرية المباشرة. وفي تحليله، لا تكمن أهمية هرمز فقط في موقعه البحري، بل في الطبيعة الجغرافية المحيطة به. فالمنطقة الساحلية الإيرانية المقابلة للمضيق، من خلال عرض بعض الصور لها، ذات تضاريس صعبة، تكثر فيها المرتفعات والجيوب والتجاويف التي تمنح المدافع أفضلية كبيرة على المهاجم. وهذا يعني أن أي محاولة أميركية للسيطرة الميدانية على هذه المنطقة أو ضمان العبور الآمن عبرها لن تكون مجرد عملية بحرية تقنية، بل قد تتحول إلى معركة مكلفة للغاية.
يشدد بيب على أن الهجوم البري يكشف نفسه، بينما يستطيع الدفاع أن يختبئ. فالطرف الذي يسعى إلى انتزاع الأرض أو تأمين الساحل أو حماية مسار العبور، يضطر إلى الظهور والانكشاف أمام نيران الخصم. أما الطرف المدافع فيستفيد من معرفة الأرض، ومن التحصينات، ومن القدرة على إخفاء وسائله القتالية في الجبال والتشققات والمواقع الصعبة. بالتالي فإن الدخول في هذه المرحلة سيعني انتقال الحرب من تفوق جوي نسبي إلى ميدان تكتيكي قد تميل فيه الأفضلية لإيران.
لماذا لا تكفي الضربات المسبقة؟
يتوقف بيب عند استخدام الولايات المتحدة قنابل خارقة للتحصينات ضد مواقع إيرانية مرتبطة بصواريخ مضادة للسفن، ويرى في ذلك مؤشرًا مهمًا على النوايا العسكرية المقبلة؛ فاستهداف هذه المواقع لا يُقرأ فقط كجزء من الضربات العقابية، بل باعتباره تهيئة محتملة لمرور سفن أو قوات أميركية عبر مضيق هرمز ضمن عملية أوسع. لكن بيب يحذر من المبالغة في تقدير أثر هذه الضربات. فحتى لو دمرت بعض المخابئ الثابتة، فإن ذلك لا يعني أن التهديد قد أُزيل. فإيران، كما يقول، تدرك منذ زمن أن المواقع الثابتة معرضة للكشف والاستهداف، ما يرجح أن جزءًا مهمًا من قدراتها موزع أو مخفي أو قابل للمناورة. وهنا تظهر معضلة جوهرية: ليس من الضروري أن تنجح إيران في إصابة كل الأهداف، بل يكفي أن تصيب هدفًا أو هدفين فقط لإحداث كارثة بشرية وعسكرية كبيرة.
في هذا السياق، يلفت بيب إلى أن السفن في المياه المفتوحة أهداف ضخمة وواضحة، وأن اعتراض معظم التهديدات لا يمنع احتمال وقوع إصابة واحدة قاتلة قد تخلّف عشرات أو مئات القتلى وتعطّل العملية بأكملها. وهذا، كما يقول، هو جوهر المخاطرة: الطرف المهاجم يحتاج إلى نجاح واسع ومتكرر، بينما يحتاج الطرف المدافع فقط إلى نجاح محدود وحاسم.
المرحلة الثالثة: التدخل البري المحدود
انطلاقًا من هذا المسار، يرى بيب أن الحرب تقترب من المرحلة الثالثة، أي مرحلة خيارات السيطرة البرية المحدودة. وهو يحرص على التمييز هنا بين غزو شامل لإيران، وبين عمليات أضيق نطاقًا تهدف إلى السيطرة على مناطق ساحلية أو نقاط استراتيجية أو تأمين مواد نووية أو ضمان المرور في مضيق هرمز.
ورغم أنه يستخدم لغة قاطعة في بعض اللحظات، فإنه يوضح أن مقصوده بـ”الاحتمال الحتمي” ليس اليقين الكامل، بل ترجيح مرتفع يصل إلى نحو 75% ، وفي تقديره، فإن تأخر الرئيس الأميركي في الحسم لا يعود بالضرورة إلى تردده السياسي فقط، بل إلى حاجته للوقت من أجل وصول القوات وتجهيز الخيارات الميدانية. ولهذا يربط التصريحات المترددة الصادرة عن الإدارة بعملية “كسب الوقت” ريثما تصبح الأدوات العسكرية البرية متاحة.
يشير بيب أيضًا إلى تحركات محتملة تشمل قوات مشاة البحرية ووحدات إنزال أخرى، ويرى أن إلغاء بعض التدريبات العسكرية السابقة قد يكون جزءًا من الاستعداد لهذا النوع من الخيارات، ويجادل بأن الرئيس لا يتخذ القرار إلا عندما تصبح الخيارات العملية جاهزة أمامه، لا حين يبدأ الجدل السياسي حولها.
من كوسوفو إلى فيتنام: التحذير من تبدل طبيعة الحرب
في واحدة من أهم نقاط المقابلة، يحذر بيب من أن عبور “المرحلة الثالثة” سيعني الدخول في دينامية جديدة بالكامل، ففي المراحل الأولى يمكن تشبيه الحرب بحملات قصف وتدخلات محدودة تشبه نماذج أقرب إلى كوسوفو، حيث التفوق الجوي يعطي انطباعًا بالسيطرة. لكن مع التورط البري، تتغير المقارنة لتقترب من فيتنام: حرب تتسع تدريجيًا، تُسحب إليها القوة العظمى خطوة بعد خطوة، وتجد نفسها في ميدان لا تملك فيه الحسم السريع.
هذا التحول في القياس التاريخي مهم جدًا، لأنه يكشف أن جوهر تحذير بيب لا يتعلق فقط بصعوبة المعركة المقبلة، بل بطبيعة المسار كله. فالمشكلة ليست في عملية واحدة، بل في أن كل خطوة تولد ضرورة الخطوة التالية. الضربات تدفع إلى الرد، والرد يدفع إلى توسيع الأهداف، وتوسيع الأهداف يدفع إلى السعي للسيطرة الميدانية، والسيطرة الميدانية تفتح الباب لمراحل أخطر ، رابعة وخامسة، لم يفصح عنها بالكامل، وهذا هو بالضبط “فخ الصعيد”.
خلاصة
تكشف قراءة روبرت بيب للحرب مع إيران عن تصور بالغ التشاؤم، لكنه مترابط من حيث منطقه الداخلي. فهو يرى أن الضربات الأولى لم تحقق أهدافها السياسية، وأن إيران استثمرت الحرب للانتقال إلى تصعيد اقتصادي يرفع الكلفة على الجميع، وأن مضيق هرمز بات مركز الضغط الأهم، وأن أي محاولة أميركية لحسم هذه المعركة ميدانيًا قد تدفع نحو تدخل بري محدود عالي المخاطر. والأهم من ذلك، أن بيب لا يقدم الحرب بوصفها سلسلة من القرارات الحرة المنفصلة، بل بوصفها مسارًا انزلاقيًا: كل مرحلة فيه تخلق الشروط التي تجعل المرحلة التالية أكثر احتمالًا.
ومن هنا، فإن تحذيره الأساسي ليس فقط من الدخول إلى المرحلة الثالثة، بل من الفكرة الأوسع: أن الحرب قد تكون دخلت بالفعل منعطفاً يصعب التراجع عنه دون أثمان استراتيجية وسياسية أكبر.






