طيف بديعة

احمد نسيم برقاوي 

تغريدة لـ احمد نسيم برقاوي

في عام 1948 تغادر أمي وأبي وطفلان فلسطين إلى دمشق على أمل العودة إليها بعد انتهاء الحرب.بعد سنتين من الإنتظار كان لابد من العمل.
حملت أمي شهادة تخرجها من دار معلمات القدس وتقدمت بها إلى وزارة التربية.وجرى تعينها أول مديرة مدرسة بنات في قرية نوى .
وبعد سنوات نعود إلى دمشق وتنتقل أمي مديرة في مدرسة أسماء العامرية في مخيم اليرموك .
لم يغادر الحنين أمي إلى يافا والقدس.بل قتل الحنين أمي قبل ثمانية وثلاثين عاماً.
في ذكرى رحيل أمي بديعة:
أحمد برقاوي
الكون متدثرٌ بجلباب حالك هذا المساء ،
شاحب الوجه ،
وعينان مهمومتان ذابلتان
خائفتان من قدر
يقف أمام النافذة ينتظر
أمراً جللا.
لم يكن الكون على حاله
كما في كل مساء ٍ ،
لم تكن النجوم تطل على الخلق بعيونها المضيئة ،
فلم تكن في هذا المساء قريبة ،
كانت تجري بعيدة
كأنها على سفر
و في وسن ٍغريب
وبالكاد يطل منها السنا .
في ذلك المساء الرمادي ،
غادرت أمي سريرها ،
ثم راحت تتفقد أشياء البيت ِ :
الطاولة الوحيدة ، والكراسي
المتعبة ،
والبساط المزخرف الشائخ
أواني من نحاس قديمة ،
صرر حُشيت بالبائد من الثياب ،
مسامير مغروسة في الجدران
صدئت من الملل .
كل شيء في مكانه كان .
كل الأشياء بسيطة وثمينة
لمست أمي الأشياء كلها .
وارتسمت على محياها المنهك ،
أسئلة وصمت انتظار .
ثم عادت إلى سريرها ،
وراحت تتمتم ،
وعيناها إلى النوافذ:
أفتحوا النوافذ كلها ،قالت لنا
كي يدخل نسيم البحر
حاملاً معه رائحة زهر البرتقال ،
فيافا جميلة في المساء
وهي تودع الشمش .
أنا خارجة ، كي أغتسل بماء البحر.
سأمر ، وأنا في الطريق إلى البحر ،
على مدرسة الزهراء .
وأعرج على المنشية ، أتفقد
بيتنا القديم ، أو على العجمي ،
سأجلب من شارع اسكندر عوض
ثوباً أبيض ناصعاً لاستقبال أبيكم المسافر
إن عاد جدكم من جامع حسن بك ،
وسأل عني ،
قولوا له ، بديعة على وشك القدوم .
نزلت أمي مرة أخرى .
وراحت تتجول في البيت .
أمي في يافا تتجول .
في تلك اللحظة عرفت أن ملائكة الموت
في الطريق لأخذ أمي .
النجوم ابتعدت أكثر عن النافذة ،
والمساء الرمادي أظلم .
و تحلقت الغيوم حول البيت .
وأشهدُ :
أني رأيت سرباً من ملائكة الموت ،
ترتدي الأثواب المزركشة .
وكان كل ملاك يحمل بين يديه
شعاعاً من نور الشمس .
فرشو الأشعة على الأرض
وحملوا أمي ملفوفة بأنوارهم.
ثم طاروا بها، طاروا.
وفي لحظة غابوا عن الأنظار .
لم ندر يومها أين حطوا .
لكنهم قالوا :
رأينا أمكَ تمشي كالمسيح على سطح بحر يافا .
رأيناها تلوح للسفن عند المنارة .
قالوا :
رأينا أمك، والمفتاح الفضي
يلمع في يدها ، عند باب
مدرسة الزهراء .
قالوا : رأيناها في العجمي والمنشية
ترش كل مساء ماءً على عتبات بوابات البيوت المنهكة ،
وتجلس في صمت أمام
بوابة هنا وبوابة هناك .
قالوا :
يحكى ، أن امرأة
تأتي كل مساء من واجهة البحر ،
وتدخل حارات يافا .
تلاحقها آلات وفوهات بنادق ،
ورؤوس تختبئ في جوف
حديد أخضر .
لكن المرأة لا تحفل بالحراس ،
تتنقل مثل البرق ،
وحين سئل كهل ،
أكبر كهل في يافا
عن هذه المرأة التي تتجول
كأسنية البرق تتفقد
أرواح الأمكنة بثوبها الأبيض
قال متنهداً
إنه طيف بديعة ،
طيف بديعة.