تشكل تبرئة كريم خان، المدعي العام لدى المحكمة الجنائية الدولية، من اتهامات وُصفت بأنها غير مثبتة أو مسيّسة، لحظة مفصلية في تاريخ العدالة الدولية المعاصرة. فالقضية لا تتعلق بشخص أو بمنصب، بل تمثل اختباراً حقيقياً لقدرة النظام القانوني الدولي على الحفاظ على استقلاله في مواجهة الضغوط السياسية، خاصة حين تتقاطع العدالة مع أكثر النزاعات حساسية في العالم، وعلى رأسها الحالة في فلسطين، ولا سيما في غزة.
العدالة الدولية بين النص والتسييس
يقوم نظام القانون الدولي الجنائي على مبدأ أساسي يتمثل في عدم الإفلات من العقاب، كما نص عليه نظام روما الأساسي، الذي يؤكد اختصاص المحكمة في ملاحقة الجرائم الأشد خطورة، بما في ذلك جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية.
غير أن التطبيق العملي لهذا المبدأ ظل دائماً رهناً بالتوازنات السياسية. وهنا تبرز خطورة استهداف المدعي العام نفسه، إذ أن توجيه اتهامات له — حتى وإن لم تثبت — قد يتحول إلى أداة غير مباشرة للتأثير على مسار العدالة، أو لإضعاف ثقة الرأي العام بالمؤسسة القضائية.
غزة: حيث تُختبر مصداقية العدالة
في قطاع غزة، تتجسد أزمة العدالة الدولية بأوضح صورها. فالتقارير المتواترة عن استهداف البنية التحتية الصحية والتعليمية والجامعات والطرق …… والاعتداء على الكوادر الصحية والإعلاميين والأكاديميين وارتفاع معدلات الضحايا المدنيين خاصه الأطفال والنساء والذين يشكلون 70%، من الاعتداء المتعمد والانهيار شبه الكامل للنظام الصحي والتعليمي، تطرح تساؤلات ملحة حول مدى احترام قواعد القانون الدولي الإنساني، خاصة فيما يتعلق بحماية المرافق الطبية والعاملين الصحي وخير شاهد على هذا هو تقارير السيدة فرانشيسكا البينيزيه المقرر الخاص المعني بحالة حقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة .
إن أي اهتزاز في مصداقية مكتب الادعاء في المحكمة، سواء عبر اتهامات أو حملات تشويه، ينعكس مباشرة على ثقة الضحايا والمجتمع الدولي في إمكانية تحقيق العدالة. فبالنسبة للفلسطينيين عامه ولسكان غزة خاصه، لا تمثل المحكمة مجرد مؤسسة قانونية، بل أملًا أخيرًا في المساءلة الدولية في ظل غياب آليات إنصاف فعالة على المستوى الدولي.
بين المساءلة والحماية: معضلة القانون الدولي
تبرئة كريم خان – إذا ما تمت وفق إجراءات شفافة ومستقلة – تعزز من مبدأ سيادة القانون، لكنها في الوقت ذاته تكشف عن فجوة هيكلية في النظام الدولي: غياب آليات كافية لحماية المسؤولين القضائيين من الضغوط السياسية والتشهير، دون أن يؤدي ذلك إلى تحصينهم من المساءلة.
وهنا تبرز الحاجة إلى تطوير إطار قانوني يحقق التوازن بين:
• ضمان استقلالية الادعاء الدولي
• وتعزيز آليات المساءلة والشفافية
• وحماية المسؤولين من التوظيف السياسي للاتهامات
تداعيات أوسع على النظام الدولي
لا تقف انعكاسات هذه القضية عند حدود المحكمة، بل تمتد لتشمل مستقبل العدالة الدولية برمته. فإذا فشل النظام في حماية نفسه من التسييس ، فإنه يخاطر بفقدان شرعيته، خاصة في أعين المجتمعات المتضررة من النزاعات.
أما إذا نجح في تجاوز هذا الاختبار، فقد يشكل ذلك فرصة لإعادة بناء الثقة، ليس فقط في المحكمة، بل في فكرة العدالة الدولية نفسها.
خاتمة: غزة كمرآة للعدالة العالمية
في النهاية، تبقى غزة مرآة تعكس حقيقة النظام الدولي: هل هو قادر على إنصاف الأضعف، أم أنه يظل محكوماً بموازين القوة؟ إن تبرئة كريم خان قد تكون خطوة نحو تعزيز استقلال العدالة، لكنها في الوقت ذاته تذكير صارخ بأن هذه العدالة لا تزال في اختبار مستمر.
وبين النصوص القانونية والواقع السياسي، يبقى الضحايا هم الحكم النهائي على مصداقية هذا النظام.






