ليست الحياة، في جوهرها العميق، معطًى ساذجاً يمكن اختزاله في مظاهر الدم أو الخراب أو الجنون؛ إنها، على العكس من ذلك، انتظامٌ دقيقٌ لقوى الوعي، حيث يغدو العقل البشري مركز الثقل في تنظيم الوجود وتوجيه حركته. فالعقل ليس مجرد أداة تفسير، بل هو شرط إمكان الحياة ذاتها بوصفها تجربةً ذات معنى. ومن ثمّ، فإن تعطيله أو إقصاءه لا يفضي إلا إلى تفكك البنية الداخلية للوجود الإنساني، حيث يتبدد المعنى في متاهات التيه، ويتحول الوعي إلى شظايا متنافرة، تتنازعها الغرائز والانفعالات والاندفاعات العمياء.
وإذا كان الدم، في دلالته البيولوجية، شريان الاستمرار الفيزيقي، فإن العقل هو شريان الاستمرار الرمزي؛ أي ذلك الذي يمنح الحياة قابليتها للفهم والتأويل والتجاوز. ومن هنا، فإن اجتماع الدم المنفلت والعقل المعطَّل في فضاءٍ واحد لا ينتج حياةً، بل يولِّد حالةً حدّية من العدمية المموّهة بالعنف، حيث يُستبدل الوجود الفعلي بتمثلات مشوّهة عنه.
إن الجرح الغائر الذي أُحدث في جسد الأمة العربية لا يمكن قراءته بوصفه انحرافاً عرضياً، بل ينبغي تفكيكه ضمن سياق أعمق، يتصل ببنية الوعي ذاته. فهؤلاء المتعصبون والمتطرفون، على اختلاف انتماءاتهم، ليسوا نتاج لحظةٍ معزولة، بل هم تجلٍّ لخيال طوباوي زائف، يستدعي نموذجاً تاريخياً منقطعاً عن شروطه الموضوعية، ويعيد إسقاطه على واقعٍ مغاير دون امتلاك أدوات الفهم أو شروط الإمكان. إنهم، بهذا المعنى، لا يعيشون التاريخ، بل يستعيدون أشباحه.
وهنا تتبدى المفارقة: فبدل أن يكون الماضي مورداً للفهم، يتحول إلى ملاذٍ للهروب؛ وبدل أن يكون التراث أفقاً للتأويل، يغدو قيداً على التفكير. وهكذا يُستبدل فعلُ العقل بفعلِ الحنين، ويُستعاض عن النقد بالنوستالجيا، وعن الإبداع بإعادة الإنتاج. إننا بإزاء وعيٍ مأزومٍ لا يملك القدرة على تمثّل الحاضر، فيرتدّ إلى ماضٍ متخيَّل، لا بوصفه تاريخاً، بل بوصفه تعويضاُ نفسياً عن عجزٍ وجودي.
ولا يتعلق الأمر، في حقيقته، بدينٍ بعينه أو أيديولوجيا محددة، بل ببنية ذهنية مشتركة، تجد تعبيراتها في الأديان كما في القوميات والإثنيات. إنها بنية تقوم على الانكفاء أمام تعقيد العالم، وتحويل العجز عن الفهم إلى موقف عدائي من الواقع ذاته. فحين يعجز الإنسان عن إدراك العالم، لا يسعى إلى تطوير أدواته المعرفية، بل يعمد إلى تبسيط العالم أو نفيه، أو حتى تدميره رمزياً ومادياً.
وهنا يتحول الخوف من المجهول إلى هلعٍ وجودي، ويتحوّل هذا الهلع إلى رغبة في الاحتماء بأنماط تفكير طفولية، تُعيد إنتاج العالم في صورٍ ثنائية: خير مطلق/شر مطلق، حق مطلق/باطل مطلق. إنها بنية لا تقبل التعقيد، ولا تحتمل التعدد، ولا تعترف بالاختلاف. ومن ثمّ، فإنها تنتهي، بالضرورة، إلى العنف بوصفه اللغة الوحيدة القادرة على اختزال العالم.
إن انتظار الخلاص، في هذا السياق، ليس سوى تعبير عن عجزٍ مضاعف: عجز عن الفعل، وعجز عن الفهم. إنه تعليقٌ للوجود على أفقٍ مؤجَّل، يُسقَط فيه الحل من خارج التاريخ، بدل أن يُنتج من داخله. وهنا يتحول الخلاص إلى وهمٍ ميتافيزيقي، يُستخدم لتبرير السكون، أو لتغذية النزعات التدميرية التي تتخفى وراء شعارات الخلاص والتطهير.
وإذا أردنا مقاربة هذه الحالة ضمن أفقٍ مقارن، فإنها تستدعي إلى الذهن الأزمة الوجودية العميقة التي عاشتها أوروبا في أعقاب الحرب العالمية الأولى، حيث انهارت المنظومات القيمية، وتفككت المعاني الكبرى، وغدا الإنسان معلقاً في فراغٍ روحي وأخلاقي. غير أن الفارق الجوهري يكمن في أن تلك الأزمة، رغم حدّتها، أفضت إلى إعادة بناء الذات الأوروبية عبر نقد جذري للذات وللتراث، وإعادة تأسيس العلاقة مع العالم على أسس عقلانية ومؤسسية.
أما في السياق العربي، فإن الأزمة غالباً ما تُدار بمنطق الإنكار أو الإرجاء أو الإسقاط، بدل أن تُفكَّك بوصفها بنية تستدعي النقد والتحليل. ومن هنا، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في مقاومة مظاهر الأزمة فحسب، بل في تفكيك شروطها العميقة، وإعادة تأسيس العلاقة مع الواقع على قاعدة عقلانية نقدية، تعترف بالتعقيد، وتؤمن بالتعدد، وتشتغل على تحويل الممكن إلى واقع.
إن الارتقاء إلى مستوى التحدي يعني الانتقال من الوعي التبريري إلى الوعي النقدي، ومن الانفعال إلى الفعل، ومن الاستهلاك إلى الإنتاج. إنه يعني، قبل كل شيء، استعادة العقل بوصفه أفقاً للحرية، لا مجرد أداة للضبط. فالعقل، في معناه الفلسفي، ليس نقيض الإيمان، بل شرطه العميق؛ وليس خصم الهوية، بل ضامن انفتاحها.
ومن هنا، فإن السؤال الذي ينبغي أن يُطرح لا يتعلق بما إذا كنا سنُخلَّص، بل بكيفية إنتاج شروط خلاصنا بأنفسنا. فالأرض التي كانت مهبط الرسالات، ومهد الحضارات، ومجال انبثاق الأبجدية الأولى، لا يمكن أن تُختزل في مشهد الخراب، إلا إذا تخلّى أبناؤها عن دورهم التاريخي بوصفهم فاعلين لا مفعولًا بهم.
إنها دعوة إلى إعادة التفكير في معنى الانتماء، لا بوصفه قيداً، بل بوصفه مسؤولية؛ وإلى إعادة تعريف الخلاص، لا بوصفه وعداً غيبياً مؤجَّلاً، بل بوصفه مشروعاً تاريخياً يُبنى بالفعل، ويُختبر في الواقع، ويتحقق عبر الإنسان.
فهل نملك شجاعة الانتقال من انتظار الخلاص… إلى صناعته؟







