في ظل التحولات العاصفة التي تضرب الإقليم، وتصاعد الهجمة على الأرض والحقوق الفلسطينية، يكتسب تأكيد سيادة الرئيس محمود عباس على عقد مؤتمر حركة فتح في موعده المحدد دلالات تتجاوز البعد التنظيمي إلى مستوى القرار السياسي السيادي. فالمؤتمر القادم ليس ترفاً تنظيمياً، بل استحقاق وطني ضاغط، ومعركة داخلية لإعادة بناء القوة الفتحاوية على أسس الانضباط، والكفاءة، والالتزام الثوري.
إن فتح، بوصفها العمود الفقري للمشروع الوطني، تقف اليوم أمام مفترق طرق تاريخي: إما أن تعيد إنتاج ذاتها كحركة تحرر منضبطة ومتماسكة، أو تترك فراغاً سياسياً وتنظيمياً يهدد مجمل الحالة الوطنية. من هنا، فإن المؤتمر يجب أن يُدار بعقلية سياسية صلبة، لا بمنطق التوازنات الشكلية أو المجاملات التنظيمية.
المطلوب أولاً هو تثبيت مبدأ المحاسبة التنظيمية كقاعدة لا استثناء؛ فلا يمكن لحركة تقود شعباً تحت الاحتلال أن تتسامح مع الترهل أو التقصير أو ازدواجية القرار. إن إعادة الاعتبار للنظام الداخلي، وفرض هيبة الأطر، وإنهاء مظاهر الفوضى التنظيمية، يجب أن تكون في صلب مخرجات المؤتمر، باعتبارها المدخل الحقيقي لاستعادة ثقة القاعدة الجماهيرية.
ثانياً، لا بد من إعادة تعريف الأولويات السياسية للحركة بما يتلاءم مع طبيعة المرحلة؛ مرحلة تتطلب خطاباً سياسياً هجومياً، يستند إلى الشرعية الدولية، لكنه لا يكتفي بردود الفعل، بل يبادر ويُراكم أدوات الضغط السياسي والدبلوماسي. وهنا، فإن تعزيز موقع منظمة التحرير الفلسطينية وتفعيل مؤسساتها يجب أن يكون جزءاً لا يتجزأ من الرؤية الفتحاوية الجديدة.
ثالثاً، على الصعيد التنظيمي، فإن المؤتمر مطالب بإنتاج قيادة قادرة على الجمع بين روح التجديد وعمق التجربة. فالتجديد لا يعني القطيعة مع التاريخ، بل البناء عليه؛ ومن هنا تبرز ضرورة الحفاظ على حضور قيادات تمتلك تاريخاً نضالياً وخبرة تنظيمية وسياسية متراكمة، إلى جانب تمكين جيل شاب فاعل. إن المرحلة الراهنة، بتعقيداتها وتشابكاتها، لا يمكن أن تُدار بعقلية جيل واحد، فالشباب يمثلون طاقة الدفع والتجدد، بينما تشكل القيادات التاريخية صمام الأمان والخبرة الاستراتيجية. والمعادلة الوطنية الناجحة هي تلك التي تُحقق التكامل بين الأجيال، لا الإحلال أو الإقصاء.
أما رابعاً، فإن استعادة الوحدة الوطنية يجب أن تُطرح كهدف استراتيجي غير قابل للمساومة، من خلال رؤية عملية تُنهي الانقسام وتُعيد بناء النظام السياسي الفلسطيني على قاعدة الشراكة الحقيقية، لا الإقصاء أو الاحتكار.
إن الدور الفتحاوي في هذه المرحلة يجب أن يُعاد صياغته بوصفه دوراً قيادياً كفاحياً، يجمع بين الفعل السياسي المنظم، والحضور الميداني الفاعل، والانحياز الكامل لهموم الناس اليومية. فالحركة التي لا تلامس معاناة شعبها، تفقد مبرر وجودها مهما كان تاريخها.
إن عقد المؤتمر في موعده هو بحد ذاته فعل سيادي ورسالة سياسية بأن فتح قادرة على فرض إيقاعها، وتجديد شرعيتها من داخلها، لا بضغط الخارج أو إملاءاته. لكنه في الوقت ذاته اختبار حقيقي للإرادة التنظيمية: هل تملك فتح الشجاعة لإجراء مراجعة عميقة؟ وهل تستطيع إنتاج قيادة بحجم التحديات؟
الرهان اليوم ليس على انعقاد المؤتمر بحد ذاته، بل على مخرجاته: قرارات حاسمة، بنية تنظيمية صلبة، ورؤية سياسية واضحة تعيد للحركة موقعها الطبيعي كقائدة للمشروع الوطني الفلسطيني.
وحدها فتح القوية، المنضبطة، والمجذرة في شعبها، قادرة على حماية القرار الوطني، ومواجهة التحديات، وقيادة شعبنا نحو الحرية والاستقلال





