كنت أظن… أن الانتماء وحده يكفي ليجعلني عظيمًا.
أن أكون ابن حركة فتح يعني أنني أقف تلقائيًا في صف المجد.
وأن أحمل قضية بحجم فلسطين… يمنحني مكانة لا تُمس.
وأن أكون متعلمًا… وأن أشغل موقعًا إداريًا برتبة سامية … يعني أنني وصلت.
كنت أظن ذلك كله…
حتى صحوت ذات صباح
ولم أجد نفسي إلا كومة من العظام… تبحث عن معنى كانت تعتقد أنها تملكه.
ليس الألم في السقوط وحده… بل في لحظة الإدراك
حين تكتشف أنك كنت تمنح الأشياء أكثر مما تستحق…
وتؤجل مواجهة الحقيقة لأنك تحب أكثر مما يجب.
أنا ابن هذه الأرض…
ابن وجعها… وابن حلمها… وابن خيباتها أيضًا.
مررت بما لا يُقال بسهولة…
ضُربت كما يُضرب أي فلسطيني في يوم واحد بألف اتجاه…
احتلال ينهش…
وظروف تسرق…
وأخطاء ثقة دفعت الثمن وحدي.
استأجرت أرضًا… ظننت أن لها حرمة الاسم وهيبة الجهة
فإذا بها تُسحب من تحت قدمي…
لا بقي نخل… ولا سياج… ولا حتى أثر لحلم صغير حاولت أن أحميه.
سكتّ…
ليس ضعفًا… بل احترامًا لدمٍ لا يجوز أن نساويه بأوجاعنا الشخصية.
سكتّ لأن في هذا الوطن من دفع أثمانًا أكبر بكثير…
فكيف أشتكي وأنا أرى أمهات الشهداء… وأهالي الأسرى؟
ثم جاء الدور عليّ…
فخرجت من عملي… بهدوءٍ يليق برجل قرر أن يحترم القرار حتى لو كُسر به.
لم أجادل… لم أصرخ…
وضعت أمري حيث يجب أن يوضع… عند الرئيس شخصيا وانتظرت.
انتظرت كثيرًا…
حتى أدركت أن الانتظار أحيانًا ليس حلًا… بل شكلٌ آخر من أشكال الألم.
والمفارقة التي لم أكن أريد قولها يومًا…
أنني لم أكن وحدي بالمعنى الذي يظنه الناس.
قيل لي كثيرًا:
أنت أخٌ لرئيس وزراء…
ولك من الأشقاء من يجلسون على طاولات القرار…
وفي العائلة من هم أعضاء في اللجنة المركزية… وفي المجلس الثوري…
وكأن ذلك يكفي ليكون الإنسان محصّنًا من الوجع!!!!!!!!!!!!
لكن الحقيقة التي تعلّمتها متأخرًا…
أن القرب من الضوء… لا يعني الدفء.
وأن الأسماء الكبيرة… لا تختصر الطريق إلى العدالة.
وأن الإنسان… قد يكون محاطًا بكل شيء…
إلا بما يحتاجه فعلًا في لحظة الانكسار.
حولي…
عالم مليء بالتناقضات.
أشخاص كنا نظنهم سندًا…
فاكتشفنا أنهم مشاريع خذلان مؤجلة.
والأصعب…
لم يكن في البعيدين…
بل في القريبين حدّ الألم.
في إخوةٍ حسبناهم ظهرًا…
فإذا بالظهر حين اشتدّ الحمل… انحنى بصمت.
لا خيانة تُقال… ولا موقف يُحكى…
فقط غيابٌ ثقيل… في لحظة كان الحضور فيها كل شيء.
وفي أشقاء…
فرّقتهم الحياة بين من أثقلته حساباته الرخيصة مثله …
ومن أضعفته خياراته لأنه خائن …
ومن ظن أن المال يكفي ليكون سندًا… فقط لشراء الخمور
فاكتشفنا جميعًا أن السند موقف… لا رصيد.
ولم أعاتب…
لأنني كنت أرى المشهد أكبر من أن يُختزل في أشخاص…
وأعمق من أن يُقال بلغة لوم.
لكن التعب… حين يتراكم… لا يستأذن.
فمنذ السابع من أكتوبر اللعين …
والأيام أثقل من أن تُحتمل.
جسدي قال كلمته…
وست شبكيات في القلب لم تكن إلا ترجمة لما عجزت الروح عن قوله.
وفي ليلة القدر المنصرمة …
حين كان يفترض أن يكون السلام أقرب ما يكون…
وقفت على إشارة حمراء…
فإذا بالقدر نفسه يختبرني بطريقة لا تشبه الرحمة.
شرطي بسيط…
يشبهني في التعب… في رمضان … في ضيق الحال…
أشار لي أن أعبر.
وللحظة…
شعرت أن حتى الأسماء تختلط عليه…
ففي بلدٍ تتشابه فيه الوجوه المتعبة…
قد يختلط عليه “محمد مصطفى” بـ”المصطفى محمد”،
وقد تختلط الإشارة… بين الأحمر الذي نعرفه… والأخضر الذي نتمناه.
فمررت…
لا لأنني لا أعرف القانون…
بل لأنني وثقت…
كما وثقت كثيرًا من قبل… ودفعـت الثمن.
حادث…
ألم…
وصمت جديد… حتى لا أُفسد على أطفالي ما تبقى من قدسية تلك الليلة.
ربيع… ما ادراك ما ربيع
ليس مجرد اسم…
بل ما تبقى من معنى الرجولة حين تختفي.
جاء… حملني…
ودخلنا إلى مكان يُفترض أنه للعلاج…
لكنه في واقعنا… اختبار جديد للكرامة.
حتى الألم… صار له فاتورة.
وحتى الحياة… تحتاج إلى إثبات قدرة على الدفع رغم انني دفعت هناك عشرات المرات عن عشرات الحالات ومن جيبي وكنت اكذب واقول للمريض ان وزارة الصحة هي من دفعت
فهناك رجلٌ يدفع من قوت أولاده…
ليحفظ كرامة صديق.
ورجلٌ آخر…
رأى في ذلك خطرًا شديد …
فأوقف راتب ربيع …
بقرارٍ مرّ من مكتبٍ يعرف جيدًا كيف يثقل كاهل من بقي فيهم شيء من مروءة…تعريهم
حتى لو كان اسمه يمر عبر زكريا مصلح.
وهنا… لا تعود القصة قصة مال…
بل قصة معنى:
أي وطن هذا… الذي يُعاقب فيه النبل؟
وأي نظام هذا… الذي يضيق برجولة رجل؟
أنا لا أكتب لأشكو…
ولا لأجلد أحدًا…
ولا لأكسر صورة أحبها في داخلي.
أنا أكتب لأنني أخاف…
أن نصل إلى لحظة… لا يعود فيها أحد قادرًا على التمييز بين الحق والخذلان.
أكتب لأنني ما زلت أؤمن…
أن هذا الوطن لا يُبنى إلا بالعدل…
وأن حركة بحجم فتح… لا يمكن أن تستمر إلا إذا عادت إلى جوهرها الأول:
الناس… الكرامة… والصدق.
أنا ما زلت أحب…
بلدي…
وأمي…
وابني…
وحلا …
وربيع…
وهذا الانتماء الذي رغم كل شيء… لم ينكسر.
وأعد أولادي… وأعد بلدي…
وأعد فتح…
وأعد نفسي…
أنني عائد بقوة وبشراسة…
ولن أُهزم… ولم أُهزم… ولن أُهزم أبدًا.
هذه ليست نهاية قصة…
بل بداية مواجهة مع الذات.
فإما أن نصحو جميعًا…
أو نبقى نؤجل الحقيقة…
حتى نصبح جميعًا… مجرد كومة من العظام… تبحث عن معنى
القوي جدا شادي ابو ورد





