من السجال إلى التفكيك: في نقد الوعي الدفاعي وانكسار الأفق الإبستمولوجي:

بقلم: عماد خالد رحمة _ برلين.

ليست الأفكار كياناتٍ بريئةً تُستهلَك كما تُستهلَك المعطيات، ولا المفاهيمُ قوالبَ صمّاء تُستعار دون أن تُخلخل بنية الوعي الذي يستقبلها. إنّها في جوهرها تشكّلات تاريخية، تتراكم فيها طبقات المعنى كما تتراكم الرسوبيات في قاع الزمن، وتتشابك فيها أنساق السلطة بالمعرفة، والدلالةُ بالهيمنة، واللغةُ بالتاريخ. غير أنّ التعاطي معها من موقعٍ سجاليٍّ دفاعيٍّ لا يُنتج معرفة، بل يعيد إنتاج الجهل في صورة يقين، ويُحوّل الفكر من أفقٍ للتفكيك إلى حصنٍ للممانعة.
إنّ الوعي الدفاعي، في بنيته العميقة، ليس سوى آليةٍ نفس-معرفية تسعى إلى تثبيت المعنى بدل مساءلته، وإلى تحصين المفهوم بدل تفكيكه. فهو لا ينطلق من رغبةٍ في الفهم، بل من هاجسٍ في الحماية؛ لا يُحاور، بل يُدافع؛ لا يُحلّل، بل يُبرّر. ومن ثمّ، فإنّ كلّ مفهومٍ يقع في قبضة هذا الوعي يُختزل إلى شعار، وتُختزل دلالاته إلى وظيفة أيديولوجية، ويُنزَع عنه تاريخه لصالح راهنيّةٍ متخيَّلة. وهنا، لا يعود بالإمكان تتبّع تحوّلاته، ولا الكشف عن تناقضاته، ولا إدراك تعدّد طبقاته الدلالية، لأنّ السجال في صيغته الدفاعية يُقصي السؤال قبل أن يُولَد.
ولعلّ أخطر ما ينتجه هذا النمط من التعاطي هو ما يمكن تسميته بـ”العدمية الإبستمولوجية”، لا بمعناها الوجوديّ المتداول، بل بوصفها انعدامًا لشروط المعرفة ذاتها. إذ حين يُغلق المفهوم على نفسه داخل دائرة الدفاع، يفقد قابليته للاختبار، ويتحوّل إلى بنيةٍ مغلقة لا تسمح بالتعديل أو النقد. وهكذا، يُستبدَل التاريخ بالأسطورة، والتحليل بالتبرير، والتفكير بالتكرار. وفي غياب المساءلة، يتلاشى الفرق بين المعرفة والرأي، بين البرهان والاعتقاد، بين المفهوم بوصفه أداةً للفهم، والمفهوم بوصفه أداةً للهيمنة.
إنّ المفاهيم، في حقل العلوم الإنسانية، لا تُفهَم إلا ضمن أطرها الإبستمولوجية، أي ضمن الشروط التي أُنتجت فيها، والأنساق التي شكّلتها، والتحوّلات التي أعادت صياغتها. فـ”الدولة”، و”الحرية”، و”الهوية”، و”العقلانية”، ليست معطياتٍ ثابتة، بل سيروراتٌ تاريخية تتبدّل دلالاتها بتبدّل السياقات. غير أنّ الوعي السجالي الدفاعي يتعامل معها كما لو كانت جواهر أزلية، منزّهة عن التاريخ، ومحصّنة ضد النقد. وهنا، يتعطّل عمل الإبستمولوجيا بوصفها علمًا بشروط المعرفة، ويُستبدَل بها خطابٌ إنشائيٌّ يُعيد تدوير المفاهيم دون أن يُعيد بنائها.
وفي هذا السياق، يمكن فهم “الارتجاج المعرفي” الذي أصاب بنية العلم والثقافة في اللحظة المعاصرة، لا بوصفه نتيجةً لانفجار المعرفة فحسب، بل بوصفه أيضًا نتيجةً لانهيار أدوات الفهم. فحين تتكاثر المفاهيم دون أن تُفكَّك، وتتسارع التداولات دون أن تُؤصَّل، ينشأ نوعٌ من الضجيج المعرفي الذي يُخفي أكثر مما يُظهِر، ويُربك أكثر مما يُوضّح. إنّه ارتجاجٌ لا في المعطيات، بل في المناهج؛ لا في الوقائع، بل في طرق قراءتها.
ومن هنا، يغدو حقل إبستمولوجيا العلوم الإنسانية وخاصة الثقافية منها ساحةً مركزية لفهم هذا الانكسار. فهو الحقل الذي يُعنى لا بما نعرفه، بل بكيف نعرفه؛ لا بالمفاهيم في ذاتها، بل بالشروط التي تجعلها ممكنة. غير أنّ هذا الحقل نفسه مهدَّد، حين يُختزل إلى أداةٍ سجالية، أو يُوظَّف في صراعاتٍ أيديولوجية تُفرغه من محتواه النقدي. فالإبستمولوجيا، إن فقدت نزعتها التفكيكية، تحوّلت إلى خطابٍ معياريٍّ يُملي بدل أن يُحلّل، ويُقرّر بدل أن يُسائل.
إنّ تجاوز هذا المأزق لا يكون بإلغاء السجال، بل بتحريره من طابعه الدفاعي، وتحويله إلى أفقٍ حواريٍّ مفتوح، يُتيح للمفاهيم أن تُختبر، وللمعاني أن تتعدّد، وللتاريخ أن يُستعاد. فالفكر لا ينمو في بيئةٍ مغلقة، بل في فضاءٍ تتقاطع فيه الأسئلة، وتتصادم فيه الرؤى، دون أن يُقصي أحدها الآخر. إنّها جدلية الانفتاح، حيث لا يُنظر إلى الاختلاف بوصفه تهديداً، بل بوصفه شرطًا للإدراك.
وفي المحصّلة، فإنّ السؤال الحقيقي ليس: كيف ندافع عن مفاهيمنا؟ بل: كيف نفكّكها دون أن نفقدها، ونُعيد بناءها دون أن نُقدّسها؟ فبين التفكيك والتقديس، بين النقد والانغلاق، يتحدّد مصير العقل: إمّا أن يظلّ يقظاً، يُعيد مساءلة ذاته والعالم، أو أن يسقط في سباتٍ إبستمولوجي، يُعيد فيه إنتاج المعنى دون أن يُدركه.