شهد الغرب الأوروبي–الأمريكي صعوداً متزايداً للتيارات الشعبوية، وارتفاعاً حاداً في موجةٍ اتسمت بالعنصرية المفرطة والشوفينية والاستعلاء تجاه الأجانب، ولا سيما مع تدفّق مئات الآلاف من اللاجئين في ظلّ تهجيرٍ ممنهج لم يشهد العالم له مثيلًا. فالغرب الأوروبي–الأمريكي يصدّر الأسلحة الفتّاكة وأدوات الموت، فيما تصدّر البلدان المنكوبة اللاجئين. وقد تعزّز هذا الصعود بعد الأزمة الاقتصادية والمالية العالمية عام 2008، المعروفة بأزمة الرهن العقاري، إضافةً إلى ما رافقها من حملةٍ عالمية طاغية ضد ما سُمّي بـ”الإرهاب الدولي”.
وقد ترافقت هذه الحالة مع نزعاتٍ حادّة إلى نفي التنوّع والتعدّدية الثقافية والمعرفية، أو التضييق على الحقوق الإنسانية والحريات المدنية، بذريعة الدفاع عن “قيم الثقافة الغربية” وروحها. وبهذا الأسلوب، تعزّزت وترسّخت ظاهرة ما يُعرف بـ”الزينوفوبيا”، أي رهاب الأجانب أو كرههم، حيث يميل المصاب بها إلى الخوف وانعدام الثقة، وصولًا إلى كراهية الغرباء والأجانب.
ولا بدّ من التمييز بين “الزينوفوبيا” و”العنصرية”، إذ إنّ العنصرية تقوم على كراهية الآخر بسبب عرقه أو أصله الإثني، في حين أنّ الزينوفوبيا تنبع من رفض الآخر لمجرّد كونه أجنبيًا أو غريبًا. ومع ذلك، قد يُستخدم المصطلحان أحيانًا بشكلٍ متداخل، رغم اختلافهما الجوهري. فعلى سبيل المثال، تُعدّ كراهية امرأة سوداء من فرنسا بسبب جنسيتها شكلًا من أشكال كره الأجانب، بينما تُعدّ كراهية المرأة نفسها بسبب لون بشرتها تعبيرًا عن عنصرية صريحة.
وقد دانت هذه النزعات العنصرية بمختلف أشكالها “المؤتمر الدولي لمناهضة العنصرية” الذي انعقد في ديربن (جنوب إفريقيا) عام 2001، وشاركت فيه آلاف المنظمات الحقوقية. غير أنّ أحداث الحادي عشر من أيلول/سبتمبر من العام نفسه سرقت الأضواء، وحوّلت الأنظار من مناهضة العنصرية إلى ربط الإسلام بالعنف والدموية، في سياق ردود فعلٍ حادّة ضد الأجانب في الغرب. ومنذ ذلك الحين، باتت هذه القضية محورًا دائمًا في البرامج الانتخابية، خصوصًا مع تصاعد الجدل حول طالبي اللجوء والمهاجرين، بالتوازي مع انتعاش التيارات الشعبوية والعنصرية والفاشية، القديمة منها والجديدة.
في هذا السياق، تندرج ظاهرة “الإسلاموفوبيا” (الرهاب من الإسلام) ضمن بنية الزينوفوبيا، حيث جرت محاولات ممنهجة لشيطنة شعوبٍ بأكملها، عبر تصوير الإسلام بوصفه دينًا يحضّ على العنف والكراهية. وقد استندت هذه الأطروحات إلى قراءاتٍ مجتزأة وماضوية، لا تعبّر عن حقيقة الإسلام ولا عن جوهره، فضلًا عن توظيف ممارسات بعض التنظيمات المتطرّفة، مثل “القاعدة” و”داعش”، التي كانت آثارها التدميرية أشدّ وطأةً على المجتمعات العربية والإسلامية نفسها، قبل أن تمتدّ إلى الغرب.
في المقابل، برزت في المجتمعات العربية ظاهرة “الويستفوبيا” (الرهاب من الغرب)، بوصفها ردّ فعلٍ تاريخي على تجارب الاستعمار والهيمنة الغربية، وما رافقها من قمعٍ ونهبٍ للثروات وتدميرٍ للبنى الاجتماعية. وقد أسهمت هذه الذاكرة الجمعية في تكريس صورةٍ نمطية عن الغرب باعتباره كيانًا معاديًا، يُختزل في بعده السياسي والاستعماري، دون التمييز بينه وبين منجزه الثقافي والإنساني.
وهكذا، نجد أنفسنا أمام ثنائيةٍ مغلقة: “الإسلاموفوبيا” في الغرب، و”الويستفوبيا” في الشرق، حيث يُعاد إنتاج الخوف المتبادل في دائرةٍ مفرغة من الأحكام المسبقة والتعميمات الاختزالية. وقد استثمرت التيارات الشعبوية هذه الثنائية، فاتخذت من العداء للأجانب، عمومًا، وللعرب والمسلمين، خصوصًا، ذريعةً لتبرير خطابها الإقصائي والمتعصّب.
ومن جهةٍ أخرى، لا يميّز الخطاب المتطرّف، في بعض نماذجه، بين الغرب بوصفه فضاءً ثقافيًا وإنسانيًا، وبين الغرب بوصفه مشروعًا سياسيًا ذا نزعاتٍ هيمنية. فإذا كان الغرب السياسي قد عبّر، تاريخيًا، عن مصالح استعمارية ونزعاتٍ استعلائية، فإنّ الغرب الثقافي والإنساني—أو أجزاءً مهمّة منه—وقف إلى جانب قضايا عادلة، وأسهم في إنتاج منظوماتٍ معرفية وعلمية وإنسانية أفادت البشرية جمعاء.
إنّ الإشكالية الكبرى في كلٍّ من الإسلاموفوبيا والويستفوبيا أنّهما تنطلقان من ادّعاء امتلاك الحقيقة، واحتكار تعريف العدالة، والتحدّث باسم القيم العليا، سواء كانت دينية أم حضارية. ففي حين يتصرّف بعض الفاعلين في الغرب من موقع القوّة والوصاية، متجاوزين القوانين الدولية، نجد في المقابل من يرفض هذه القوانين جملةً وتفصيلًا، بدعوى امتلاك الشرعية المطلقة المستندة إلى “قيم عليا”. وفي الحالتين، يغيب الاعتراف بالآخر، ويُهمَّش حقّه في الاختلاف.
ولو تأمّلنا هذه الظواهر بعمق، لوجدنا أنّ كلّ طرف يسعى إلى إلغاء الآخر أو تهميشه، وأنّ التعصّب—بصرف النظر عن مصدره—ينطوي على البنية ذاتها: بنية الإقصاء والعنف والهيمنة. وهكذا، تغدو الإسلاموفوبيا والويستفوبيا وجهين لعملةٍ واحدة، يتغذّى كلّ منهما من الآخر، ويُعيد إنتاجه.
إنّ استمرار هذا المنطق من شأنه أن يفضي إلى هيمنة الفوضى، وسيادة قانون الغاب، وتفشّي العنف والكراهية، بما يهدّد أسس العلاقات الدولية والقانون الدولي المعاصر. ومن هنا، فإنّ تجاوز هذه الحالة لا يكون إلا بإعادة بناء الوعي على أساس الاعتراف المتبادل، والتفريق بين السياسي والثقافي، وبين الدين وتوظيفاته الأيديولوجية، وبين النقد المشروع والتعميم الإقصائي.
فالعالم، في نهاية المطاف، لا يحتاج إلى مزيدٍ من الجدران النفسية والثقافية، بل إلى جسورٍ معرفية وإنسانية تعيد للإنسان إنسانيته، وتحرّره من أسر الخوف، أيًّا كان مصدره أو تسميته.







