الجزء الثالث من مسلسل ” نزيف التراب ” غَرّفةٌ من وعاءٍ مملوءٍ بالماءْ

بقلم عصري فياض
بثت قناة العربي2 طيلة ليالي شهر رمضان أكثر المسلسلات الفلسطينية متابعة في الشهر الكريم من قبل الجمهور الفلسطيني،وقسم كبير من الجمهور العربي والإسلامي المهتم بالقضية الفلسطينية،وكان المسلسل الوحيد في الدراما الفلسطينية الناشئة والصاعدة ببطء،وقد كنت ممن تابع الحلقات الثلاثين لهذا الجزء من المسلسل الذي يتمحور حول قصة المقاومة الفلسطينية في شمال الضفة،ولكن ما لفتني في هذا الجزءــ أو ربما كان ذلك في الجزئين السابقين ــ أن محور الاحداث تدور في قرية او بلدة فلسطينية افتراضية تسمى ” تل الصبر”، فهي محور الحدث الدارمي بالرغم من أن ثقل الاحداث والمواجهات في السنوات الأخيرة كانت مخيّمات شمال الضفة(جنين ونورشمس وطولكرم)،وبالأخص مخيّم جنين الذي تعرض لأكثر من مئة عملية إجتياح خلال ثلاث سنوات،وارتقى فيه خلال المواجهات نحو مئة وثلاثين شهيدا خلال تلك الفترة،ولم تكن الاحداث والقصص المرافقة لها في تلك المخيّمات قصصا متشابهة مئة بالمئة من حيث الكيفية والأداء والتطور الميداني التصاعدي،وحالات التطور التي كانت ترافق مراحل الصدام،وقصص هؤلاء صانعي الحدث،والتي من المؤكد ان تكون صالحة لسيناريو درامي مصحوب بالمعالجة المطلوبة بما يكيفها للعرض على الشاشة الفضية.
القصة
القصة في المسلسل احداث تدور حول مواجهات فلسطينية كتعبير عن صورة من صور الصمود والمواجهة،سواء كانت مواجهات شعبية او مواجهات مسلحة من نواة شبابية صلبة،والقصة كما أفادت إعلانات وشارات المسلسل كانت من رؤية المخرج والممثل في المسلسل بشار النجار والسينارست والذي كان قد شارك بدور رئيسي في الجزء الثاني وهو الكاتب أسامة ملحس،كما تعرضت القصة للواقع الاجتماعي والنفسي وصور المعاناة التي تنال الشعب الفلسطيني في الضفة يوميا من قبل الاحتلال والمستوطنين،ولكن الربط المتسلسل لتلك الاحداث في القصة خاصة في الجزء الثالث لم يكن الشد الحواري والدرامي التراكمي حاصل على الدرجة الأعلى نسبيا اذا ما قورن هذا العمل بالأعمال الفنية العربية،وهو بجاجة لقوة النص بشكل اكبر،وتصاعد ونمو الشخصيات اكثر،والبناء القصصي التصاعدي بشكل اكثر تركيزا.
الإنتاج
شركة ” Ready Production ” التي تحملت تكاليف انتاج هذا العمل،صنعت رافعة العمل الدرامي الفلسطيني عاليا،وبالرغم من الظروف التي يعانها الواقع الاقتصادي الفلسطيني،فقد تجرأت لتبني هذا العمل بكل تفاصيله،وبطرقة عصرية،بل ربما لأول مرة يتم التعامل مع طواقم العمل بهذه الطريقة الرفيعة من التقدير وتسهيل المراحل والانفاق السخيّ،وبشفافية واضحة أشعرت الجميع بالارتياح بعد ان كانت مشاركات الممثلين والطواقم المرتبطة بالدراما الفلسطينية يشوبها القلق في الانتاجيات المتواضعة السابقة،بسبب قلة او ضعف الموازنات المطلوبة.

الممثلون
طبعا واقعنا الفلسطيني نظرا لظروف قاهرة معروفة،وظروف أخرى مرتبطة بها،كان ولا زال التمثيل فقيرا للاحتراف المنافس،نعم هناك بعض المفردات التي وصلت في نجوميتها المحيط العربي وربما العالمي،والضفة لا زالت متأخرة في هذا المجال قياسا الى قطاع غزة،في غزة القدرات اكبر واكثر ربما لوقوعها بالقرب من مصر مهد التمثيل العربي،لذلك الممثلون المشاركون في الجزء الثالث من “نزيف التراب3” متفاوتون بالقدرات،فكل من الفنان امجد غانم “أبو جهاد” وحسين نخلة صاحب الخبرة “ضابط المخابرات اوري” والشاب الصاعد راشد صالح “مردخاي” والفنان ثائر ظاهر ” ياسر” والفنانة ميس أبو صاع”ام عسكر” و”ام بلال” منى الزريقي وسعيد سعادة ” أبو السعيد ” ويزن نوفل ” بلال” وعدنان البوبلي ” جهاد” وعائلة صابر الفنية رياض” زياد ” وامه الحقيقية ” فيحاء” ام زياد ” ووالده عماد ” أبو زياد” ومرح أبو عرب ” دعاء”و حسام أبو عيشة ” أبو سليم “ومحمد نزال “عادل” واسير نزال ” أبو الزكارنه” لديهم الموهبة والقدرة الواعدة،اما الطاقات الأخرى في هذا المسلسل فربما تكون لها القدرة على ان تكون في أدوار افضل لكن الدور التي قامت به هو اقل من حجم قدرتها مثل الفنان والإعلامي ربيع السعدي ” الشيخ ربيع،كما ان بعض الممثلين بالرغم من كثرة مشاهدهم نسبيا الا ان الضعف واضح في الأداء.
الإضاءة والتصوير والصوت
التقنيات الفنية في هذا الجزء من المسلسل عالية الجودة،الإضاءة والتصوير والصوت،فعلل الكاميرات والتقنيات المستخدمة ذات خصائص عالية لا تختلف عن الكاميرات التي تصور الاعمال الفنية العربية الأكثر شهرة ونجاحا،وهذا الامر ليس مرتبط بجودة الأجهزة الفنية فقط،بل بالتقنيين الذين اخذوا على عاتقهم التصوير والهندسة الصوتية لهذا العمل،اضف الى ان الشارة في بداية،وختام كل حلقة كانت موفقة ومعبرة بالإضافة للموسيقى التصويرية التي رافقت المشاهد.
هفوات
مخرج هذا العمل بشار النجار الذي ادى دور الشهيد عبد الله أبو تين،ربما وقع في خطأ في سيرة الاحداث،فالشهيد عبد الله أبو التين الذي ارتقى امام مشفى جنين وهو في حالة تلثيم دون ان يعرفه احد،ارتقى بعد الشهيد متين ضبايا” أبو سند ” بنصف ساعة،في المسلسل متين ضبايا الذي لا يوجد شهيد يحمل اسمه،ظهر في المسلسل انه استشهد وأقيم له بيت عزاء،وما زال الدكتور أبو التين حيا.
امرا آخر ،دور “أبو سليم” وهو ضابط إسرائيلي تقلد دوره الفنان حسام أبو عيشه شارك المسلسل بلهجة مصرية،ولا اعرف ما مدلول ذلك الامر،وفي الحلقة الأخيرة بدى وكأن بعض الممثلين يعتذرون للمصرين عن ،ونتهاجه اللهجة المصرية، كان بالإمكان ان تكون اللهجة فلسطينية وهذا امر يسهل عمله في مه عدم القصد في الإساءة للاخوة المصريين بسبب هذا الفعل.
أمر آخر قطع السلاح “البلاستيكة” المستخدمة في المسلسل،والتي كانت بيد المقاومين،كانت خفيفة ولم يلحظ الممثلون ان استخدام هذه القطع والمقصود بها ان تكون ثقيلة نسبيا،تصرف الممثلون ببعض الحركات ما يشير انها خفيفة وهذا امر خاطئ.
كما كان حوار الممثل اسير نزال الذي لعب الدور المزدوج للأخوة المقاتلين أبو الزكانة قد خاطب ثلاثة أطفال من مخيم جنين حملوا في المسلسل اسم ثلاثة شهداء بارزين ارتقوا في المواجهات وهم داوود الزبيدي وفاروق سلامة العريس الشهيد،خاطبهم كاطفال في إشارة الى انهم قد يصبحون مقاتلين لاحقا.بالاضافة ان الخاتمة للمسلسل بجزئه الثالث تمهد حتما لوجود جزء رابع لان كثير من ملفات هذه الحلقة لم تغلق.
الخاتمة
عمل فني فلسطيني وحيد،خرج للضوء بحلة من التطور من حيث الإنتاج،لكن وبالرغم من شعبية هذا العمل لدى الجمهور الفلسطيني المتشوق لمثل هذه المسلسلات التي تجسد صور ثباته وصبره وصموده وتضحياته،الا ان القصة ما هي الا غرفة من وعاء مملوء بالماء،واذا كانت النية كتابة وإنتاج الجزء الرابع من هذا المسلسل فليكن بقصص حقيقية الى حد ما اكثر تماسكا واعمق حواريا من خلال الاستدلال والتعرف على احداث جرت ولا زالت تجري في شمال الضفة الفلسطينية.