ليس الاغتراب انتقالاً في الجغرافيا فحسب، بل هو في جوهره انزياحٌ في البنية العميقة للوعي، حيث تتخلخل المسلّمات، وتُعاد صياغة الذات في مرآة الآخر. ومن هنا، فإنّ المثقّف العربي الذي يحطّ رحاله في الغرب لا يواجه اختلافاً في العيش وحده، بل يصطدم بنظامٍ رمزيٍّ مغاير، يُعيد ترتيب العلاقة بين العقل والسلطة، بين الفرد والجماعة، بين التاريخ والحاضر. غير أنّ هذه الصدمة الحضارية—على ما تنطوي عليه من إمكاناتٍ للخصب المعرفي—قد تتحوّل، عند بعضهم، إلى مأزقٍ وجوديٍّ يفقد فيه المثقّف توازنه، فيغدو كـ”المنبتّ” الذي لا أرضاً قطع ولا ظلّاً أبقى.
إنّ هذا الانبتات ليس فشلاً فردياً بقدر ما هو تعبيرٌ عن اختلالٍ في آليات التمثّل الثقافي. فالمثقّف، حين يخرج من سياقه الأصلي، يحمل معه شبكةً من القيم والتصوّرات التي تشكّلت في بيئةٍ مخصوصة، ثم يجد نفسه أمام منظومةٍ أخرى، أكثر صلابةً في مؤسساتها، وأكثر مرونةً في تداولها. وهنا، بدل أن يُخضع هذه المنظومات لقراءةٍ نقدية مزدوجة—تفكّك الأصل دون أن تنكره، وتستوعب الآخر دون أن تذوب فيه—يقع بعضهم في ثنائيةٍ حدّية: إمّا انبهارٌ يُفضي إلى استلاب، أو رفضٌ يُفضي إلى انغلاق.
في الحالة الأولى، يتحوّل الغرب إلى مرجعيةٍ مطلقة، تُقاس بها الأشياء وتُوزن بها القيم، فيُعاد تأويل الذات العربية بوصفها نقصاً ينبغي استكماله، لا خصوصيةً ينبغي فهمها. وهنا، يفقد المثقّف جذوره الرمزية، ويغدو كائناً مُعلّقاً في فضاءٍ لا ينتمي إليه تماماً، لأنّ الانتماء لا يُكتسب بالمحاكاة، بل بالتفاعل النقدي الخلّاق. أمّا في الحالة الثانية، فإنّ الرفض الانفعالي للغرب يُعيد إنتاج خطابٍ دفاعيٍّ يُحصّن الذات ضدّ السؤال، فيُغلق أفق المعرفة بدل أن يفتحه.
غير أنّ الخطر الأكبر لا يكمن في هذين الموقفين بقدر ما يكمن في المنطقة الرمادية بينهما، حيث يتشكّل وعيٌ مشوَّش، لا يملك أدوات النقد ولا شجاعة الاعتراف، فيُنتج خطاباً هجيناً، يخلط بين مفاهيمٍ لم تُهضم، ويستعير مصطلحاتٍ لم تُؤصَّل، فيغدو الفكر مجرّد صدىً لخطاباتٍ أخرى، لا صوتاً أصيلاً ينبثق من تجربةٍ معيشة.
إنّ المثقّف، في جوهره، ليس وسيطاً بين ثقافتين، بل هو فاعلٌ في إنتاج المعنى، قادرٌ على تحويل التوتر إلى طاقةٍ خلاقة. فالصدمة الحضارية، إذا أُحسن توظيفها، يمكن أن تكون لحظةَ يقظةٍ لا لحظةَ انهيار؛ لحظةَ مساءلةٍ لا لحظةَ انبهار. غير أنّ ذلك يتطلّب وعياً مزدوجاً: وعياً بتاريخ الذات، لا بوصفه ماضٍ يُمجَّد، بل بوصفه مادةً للفهم والنقد؛ ووعياً بالآخر، لا بوصفه نموذجاً يُحتذى، بل بوصفه تجربةً تُفكَّك وتُعاد قراءتها.
ومن هنا، فإنّ المأزق الذي يقع فيه بعض المثقفين العرب في الغرب ليس ناتجاً عن “الغرب” في ذاته، بل عن غياب أدوات التوسّط المعرفي التي تمكّنهم من العبور دون ذوبان، ومن الانتماء دون انغلاق. فالثقافة، في معناها العميق، ليست هويةً ثابتة، بل سيرورةٌ مفتوحة، تتشكّل في الحوار، وتُغتنى بالاختلاف.
إنّ أن تكون “بين بين” ليس عيباً في ذاته، بل قد يكون شرطاً للإبداع، إذا تحوّل إلى موقعٍ نقديٍّ يُعيد التفكير في الحدود، ويكشف هشاشة التصنيفات الصارمة. أمّا إذا تحوّل إلى حالةٍ من التيه، فإنّه يُفضي إلى فقدان البوصلة، حيث لا الشرق يُستعاد، ولا الغرب يُفهم، بل يُختزل كلاهما في صورٍ مشوَّهة.
وفي المحصّلة، فإنّ سؤال المثقّف العربي في الغرب ليس: إلى أيّهما أنتمي؟ بل: كيف أُعيد بناء ذاتي في أفقٍ يتجاوز ثنائية الانتماء؟ كيف أجعل من الغربة أداةً للفهم، لا سبباً للانفصال؟ وكيف أحوّل الصدمة إلى معرفة، لا إلى قطيعة؟
فبين الشرق والغرب، لا تقوم الهوية على الاختيار الحادّ، بل على القدرة على العبور: عبورٍ لا يُفقد الذات معناها، ولا يُفرغ الآخر من قيمته، بل يُنتج أفقاً ثالثاً، يكون فيه المثقّف شاهداً لا تابعاً، ومُنتجاً لا مقلّداً، وجسراً لا هوّة.
بين ضفّتَيْن: المثقّف العربي في غربته الحضارية وسؤال الانتماء المعلَّق:
بقلم: عماد خالد رحمة _ برلين.





