باحث في العلاقات الدولية
تدخل اليوم 29 اذار مارس الحرب الامريكية-الاسرائيلية على إيران شهرها الثاني، وسط جهود الوساطة التي تبذلها كل من مصر السعودية وتركيا برعاية باكستانية. ولم يتم الاعلان حتى الان عن موعد ومكان لقاء الطرفين المفاوضين الامريكي والايراني. ترامب الذي يحوم بين مسارين، بدا متجاوباً مع جهود الوساطة الى حد ما، واجَل تهديده السابق بضرب محطات الطاقة الايرانية لــ 10 ايام -تنتهي يوم 6 ابريل، وعين نائبه جي دي فانس ليكون رئيساً للوفد الامريكي بدلاً من التفويض المطلق الذي اعتاد على منحه لكل من كوشنير وويتكوف لكل ملفات الارض، للتفاوض مع إيران حول النقاط الــ 15 التي وضعها كنقطة انطلاق لمفاوضات جديدة ربما تفضي الى وقف الحرب.
إيران ورغم الضغوط الامريكية المستعصية، اعلنت أن الفجوة ما زالت قائمة بين ما ورد في بنود خطة ترامب وبين مطالبها لإظهار الحد الاقصى من التنازل. وسط حضور قوي لحالة عدم الثقة بوعودات ترامب بحكم التجربتين الاولى والثانية من المفاوضات. ومع ذلك، طلبت طهران مهلة لعدة ايام لترتيب الرد على مقترح ترامب ذو الــ15 بنداً. صياغة الرد الايراني يمكن استنتاجه من سيل التصريحات الواردة من طهران، والتي ترى ان ترامب فشل في تحقيق اهدافه وفي مقدمتها إسقاط النظام، وتثوير الشارع ضده. ويعتقد قادة طهران ان الورقة الرابحة – على الاقل الورقة الاقتصادية، في هذه الحرب ما زالت بأيديهم، ولذلك يُصممون رداً قائماً على مبدأ ما لم يأخذه ترامب بالقوة العسكرية المفرطة لن يأخذه على طاولة المفاوضات. وتطرح طهران مطالب متشددة وبعيدة المدى، ليس اقلها تعويضات عن الدمار الذي لحق ببنيتهم التحتية.
في الواقع، تظهر مجريات وميكانيزم التصعيد العسكري الكبير بين الطرفين، ان ترامب منح نفسه وليس الوسطاء، عشرة ايام لترتيب اوراق الخطوة التالية للحرب. كونه رفض طلب كان قد تقدم به الوسطاء بتعليق الهجمات على إيران لعدة ايام، كبادرة حسن نية تشجع طهران على الانخراط في مفاوضات جادة، ربما تفضي للتوصل الى صفقة ترضي الطرفين. بالتوازي مع مسار الدبلوماسية، تدفع الادارة الامريكية بآلاف من قوات المارينز الى المنطقة- سيصل عددهم لقرابة 50 ألف جندي قبل نهاية الاسبوع. مع مزيد من السفن الحربية- الاشبه بحاملات طائرات مصغرة، وقواتها الضاربة المرافقة. مع استبدال حاملة الطائرات الاكبر في العالم ابراهام لينكولن -بحجة عمل صيانة، بحاملة الطائرات يو اس اس جورج بوش الضاربة، لإبقاء احتمال التصعيد البري أمراً قائماً على جدول اعمال ترامب الغامض، في حال فشلت الجهود الدبلوماسية الضاغطة لانهاء هذه الحرب.
بين الدبلوماسية والضغط العسكري، يُجري الرئيس ترامب تحديثات متواصلة كل ساعة تقريباً وربما اقل حول إنجازات الحرب واهدافها، تقترب في معظمها الى مستوى التناقض بين تحقيق الاهداف بنسب تتراوح بين 70% و90% والحاجة لمزيد من الوقت، وبين الحقائق العسكرية على الارض الآخذة بالتصعيد، مما يصعب التنبؤ بنوايا ترامب وتوجهاته. ومع ذلك، يمكن رسم بعض ملامح عقيدة ترامب في هذه الحرب على انها مزيج من افكار المحافظين الجدد في عهد جورد بوش الاب والابن، التي سعت لتغيير الانظمة السياسية المعادية لواشنطن بالقوة العسكرية، والنهج البراغماتي النفعي السريع لترامب-رجل الصفقات الرابحة، المتمثل في المفاوضات أولاً، مع إبقاء خيار التهديد باستخدام القوة العسكرية الهائلة لبلاده قائماً؛ بهدف تحويل الدول غير المطيعة إلى دول تابعة. هذا النموذج الترامبي ينطبق على الحلفاء والاعداء على حد سواء. بعبارة اخرى، تقوم عقيدة ترامب في جوهرها على مبدأ “التفاوض تحت التهديد -الحرب – العودة للتفاوض”. مع إبقاء الباب مفتوحاً بحيث يسمح لنفسه بإعلان الانتصار في حال تعذر تحقيق الاهداف.
مع دخول الحرب شهرها الثاني، يزداد حلم النموذج الفنزويلي بُعداً عن يد ترامب. وان سيطرته على الاحداث ليست مكسوة بالحديد. في هذا السياق، ظهرت مؤشرات وعوامل جديدة -امريكية واقليمية ودولية، ضاغطة في الاتجاه المعاكس لسياساته. من ناحية، أصبح ترامب مقتنعاً ان حلف الناتو والدول الاوروبية عموماً، لن ينخرطوا في هذه الحرب، لعدة اسباب، من بينها؛ عدم قناعتهم بأسبابها و/او غموض اهدافها، الى جانب اعتبارها غير قانونية. حتى بالمستوى الادنى من التدخل الذي طلبه ترامب وهو المساعدة في التخلص من الالغام البحرية في مضيق هرمز من قبل المدمرات الاوروبية، لتأمين عبور ناقلات النفط والطاقة العالمية. وما زال المضيق مغلق امام حرية الملاحة البحرية باستثناء تلك السفن الحاصلة على تأشيرة عبور من الطرف الايراني.
على المستوى الداخلي، بدأ المتظاهرون في جميع انحاء الولايات المتحدة بما فيها معاقل الحزب الجمهوري بالتحرك للضغط على إدارة ترامب لانهاء الحرب والتركيز الاوضاع الاقتصادية الداخلية، وسار الملايين في شوارع وميادين الولايات الامريكية الخمسين – اقترب العدد من 8 ملايين متظاهر في أكثر من 3000 فعالية مناوئة للحرب، تحت شعار “لا ملوك”. بينما هوت شعبية ترامب من 40% لتلامس حافة الــ35%، وهي مستويات متدنية جداً لرئيس حزب يتحضر لانتخابات التجديد النصفي في نوفمبر القادم. هذا المشهد يقابله مشهد آخر مشابه، عندما جاب الاف المتظاهرون ونشطاء حركات السلام الشوارع والميادين في أكثر من مدينة وتجمع داخل اسرائيل، مطالبين بوقف فوري للحرب على إيران.
في مشهد مناقض، رصدت الكاميرات تجمعات لآلاف المواطنين الايرانيين يحتشدون في الساحات العامة والشوارع في المدن الايرانية-على الرغم من مخاطر القصف، لتقديم الدعم والتأييد لحكومتهم، هذا المشهد يتناقض فعلياً مع امنيات ترامب ونتنياهو. بينما اصطف عشرات الاف المتطوعون الايرانيون على ابواب مراكز التطوع للدفاع عن بلادهم. بالتوازي، القت طهران بورقة جديدة في المعركة، ودخل الحوثيون على خط المواجهة، الامر الذي اضاف مزيداً من التعقيد على المشهد الممتد من مضيق هرمز حتى باب المندب عسكرياً واقتصادياً، على واشنطن.
بينما ينعدم هامش المناورة امام ترامب او يكاد، يبرز عامل آخر لا يقل أهمية في تشكيل المسار القادم لترامب، يتمثل في تبلور موقف خليجي نهائي وحاسم يقوم على عدم الانخراط في أي مواجهة عسكرية مع إيران. برز هذا الموقف بوضوح مع انخراط الرياض في مسار الجهود الدبلوماسية التي قادتها كل من تركيا ومصر وباكستان، الأمر الذي عكس رسالة استراتيجية صريحة لواشنطن مفادها أن دول الخليج ليست طرفاً في هذا النزاع، ولن تكون جزءاً من أي حرب تخوضها إسرائيل. هذا الموقف يكتسب دلالة أعمق في ظل استمرار الهجمات الإيرانية على الأصول والمنشآت المدنية لدول مجلس التعاون الخليجي، ما يعكس تمسك هذه الدول بخيار التهدئة وتغليب الاعتبارات الاستراتيجية بعيدة المدى على منطق التصعيد العسكري.
مع دخول الحرب شهرها الثاني، يصبح الوقت عامل ضغط كبير، بينما ما زالت قائمة الاهداف غير المنجزة طويلة بحسب نتنياهو. وكلما تعمقت اسرائيل والولايات المتحدة في الحاق مزيداً من التدمير في البنية التحتية لإيران، كلما تكرست لدى إيران عقيدة الصمود والرد، والاصرار على بقاء النظام بأي ثمن. هذا الوضع الناشئ، قلص الخيارات امام ترامب في كيفية إنهاء هذه الحرب، بعد ان رفع اهدافها الى مستويات تبدوا مستحيلة وفقاً لمعطيات المعركة حتى الان، لذلك تراجع عنها واعتبرها ليست اولوية.
مع وضع ذلك في الاعتبار، تبدوا الانجازات التاريخية التي يتحدث عنها ترامب؛ الى جانب تغيير خارطة الشرق الاوسط التي يتفاخر بها نتنياهو، أقرب الى سرديات سياسية منها الى حقائق على الارض. فبعد هذا القدر من الدمار والتكلفة الاستراتيجية الباهظة، قد لا تفضي هذه المسارات سوى إلى تغيير رئيس الوفد المفاوض الأمريكي، دون تحقيق تحولات جوهرية في بنية الصراع أو موازين القوى. وعليه، فإن سقف الأهداف الاستراتيجية قد ينحصر، في أفضل تقدير، بإعادة فتح مضيق هرمز وتأمين انسياب الطاقة، مع احتمالات محدودة لبلورة ترتيبات ذات طابع اقتصادي تتصل بعائدات الضرائب لعبور ناقلات النفط، في إطار تفاهمات غير مستقرة مع إيران، وهو ما يعكس فجوة واضحة بين الطموح المُعلن والاهداف التي يمكن تحقيقها.





