قلوب يعتصرها الألم، ووجدان يثقلّه الفقد، ننعى نحن أبناء فلسطين، كما ينعى الشعب الجزائري الشقيق، رحيل القائد الاستثنائي الرئيس الراحل اليمين زروال، ذلك الرجل الذي لم يكن مجرد رئيس دولة، بل كان عنوان مرحلة، ورمز وطن، وصوت حكمة في زمن العواصف.
لقد جاء زروال في لحظة تاريخية مفصلية، حين كانت الجزائر تواجه أعنف التحديات في ما عُرف بـ العشرية السوداء، فكان سداً منيعاً أمام انهيار الدولة، وحارساً أميناً لوحدة الجيش والشعب، وقائداً استطاع أن يحول مسار الألم إلى أفق للأمل. لم يتردد حين ناداه الوطن، ولم يتراجع أمام تسونامي الفوضى، بل وقف بثبات القائد الذي يدرك أن إنقاذ الدولة هو إنقاذ للهوية والتاريخ والمصير.
لقد أسّس الراحل لنهج المصالحة الوطنية، ووضع اللبنة الأولى لمسار الوئام المدني، ذلك المشروع الذي أعاد للجزائر روحها، وأخمد نيران الفتنة، وفتح باب الرحمة بعد سنوات من الدم. لقد كان رجل الصلح بامتياز، الذي أدرك أن قوة الدولة لا تكون فقط بالسلاح، بل بقدرتها على احتضان أبنائها وتجاوز جراحها.
وعلى صعيد القضية الفلسطينية، لم يكن الراحل زروال بعيداً عن وجدانها، بل كان من خيرة القادة الذين حملوا فلسطين في ضميرهم السياسي والإنساني. لقد تميزت علاقته بالقائد الفلسطيني ياسر عرفات بخصوصية لافتة، حيث جسّدت هذه العلاقة عمق الارتباط التاريخي بين الجزائر وفلسطين، حتى أن اللقاءات بينهما كانت تعبّر عن وحدة موقف لا عن مجرد تنسيق سياسي، إذ كان عرفات يتوجه مباشرة من المطار إلى قصر الرئاسة للقاء زروال، في مشهد يلخص عمق الثقة والاحترام المتبادل.
لقد وقف زروال مع فلسطين في أصعب الظروف، مدافعاً عن حقها، ومؤمناً بعدالة قضيتها، ومجسداً بذلك أصالة الموقف الجزائري الذي لم يتغير عبر الزمن. كانت فلسطين بالنسبة له ليست قضية خارجية، بل امتداداً طبيعياً لمعركة التحرر والكرامة.
ختاماً، نودّع قائداً استثنائياً، ورمزاً سيبقى خالداً في ذاكرة الجزائر وفلسطين معاً. نودّع رجلاً صنع السلم من رحم الألم، والوحدة من قلب الانقسام، والكرامة من بين ركام المحن.
رحم الله اليمين زروال، وأسكنه فسيح جناته، وألهم الجزائر وشعبها الصبر والسلوان.
الدكتور صالح الشقباوي
أكاديمي ومحلل سياسي فلسطيني






