حملت قصةُ تواجدِ الإنسان في هذا الكون كثيرًا من التساؤلات الكبرى؛ بل إنَّ الإنسانَ نفسه يُعدّ من الأسئلة الكونية الكبرى، لأنَّ هذا التواجد ينطوي على مغزىً ومعانٍ يحملها التاريخُ البشري، ليُفضي بها إلى التاريخ الإنساني. ولهذا الكائن مغزىً عميق في مسار الوجود، إذ تقوم قصة الإنسان في الكون على ثلاثة أبعاد رئيسية: (الإنسان، والزمان، والمكان)، وما يحمله كلُّ بُعدٍ من هذه الأبعاد من تحوّلات متعددة في سيرورة تاريخ الأمم والثقافات.
ومن المتوافق عليه تاريخيًا أنَّ الإنسان، منذ لحظة وجوده على الكرة الأرضية، كان ولا يزال كائنًا عاقلًا مفكّرًا. غير أنّ ظهور نظرية التطور دفع بعضهم إلى الحديث عن تطوّر الفكر الإنساني وبنيته العقلية. وكما رفض كثيرون هذه النظرية لتعارضها مع الكتب المقدسة، قبلها آخرون؛ غير أن الطرفين اتفقا على أن الإنسان يتطوّر في طرائق تفكيره، ومن ثمّ في أنماط سلوكه، والدليل على ذلك الاكتشافات والاختراعات المتسارعة التي يُعلن عنها يوميًا.
ومن هنا بدأ الحديث المعمّق عن: متى وكيف اكتشف الإنسان ما يُسمّى بـ«عضلات التفكير» (Thinking Muscles)، وعن تاريخ الفكر ومراحل نموّه وتطوّره. وفي هذا السياق ظهرت مصطلحات مثل: الخرافة، والأسطورة، واللغة، والمنطق، التي سادت فتراتٍ طويلة.
ومن وجهة نظر الفيلسوفين اليونانيين أفلاطون وأرسطو، فإن الإنسان كائن عاقل يتميّز بعقله، وهو مُكلّف ومناط بالمسؤولية والجزاء. غير أنّ الفلسفة الحديثة والمعاصرة أحدثت انقلابًا عميقًا في تحديد ماهية الإنسان وبنيته؛ إذ شمل هذا التحول إعادة تقييم دقيقة لقدراته العقلية والمعرفية والثقافية، فلم تعد تمنح الأبعاد العقلية والمنطقية المكانة نفسها التي حظيت بها في التصورات الفلسفية القديمة، بل ذهبت إلى تهميشها أحيانًا، وردّ الإنسان إلى قوى لاشعورية أو غريزية.
ويُعدّ الفيلسوف الألماني فريدريش فيلهلم نيتشه من أبرز من اشتغلوا على تفكيك مركزية العقل في فهم الإنسان؛ إذ انطلق في مشروعه الفلسفي من تصور يرى أن العقل ليس سوى غريزة من جملة غرائز، مهمتها الأساسية الحفاظ على بقاء الإنسان. ومن هنا، أُعيد الاعتبار للأبعاد الغريزية بوصفها مكوّنًا أساسيًا للذات الإنسانية.
ويرى نيتشه أن كثيرًا من الاضطرابات التي شهدها التاريخ الإنساني تعود إلى تضخيم دور العقل وتحميله مسؤولية الحقيقة والأخلاق. ويتجلى ذلك في كتابه العلم المرح، الذي يمهّد لأفكاره الكبرى مثل: «إرادة القوة» و«العود الأبدي» و«الإنسان المتفوّق». وفي هذا العمل، يسخر من الحقائق الجامدة التي يراها متآكلة، داعيًا إلى إعادة مساءلتها.
كما قلّل من شأن القيم الأخلاقية المرتبطة بالعقل، مثل الرحمة والتسامح والغفران، واعتبرها تعبيرًا عن أخلاق الضعف. وقد بسط هذه الرؤية في كتابه جنيالوجيا الأخلاق (1887)، حيث قدّم تحليلًا نقديًا لأصول القيم الأخلاقية، رابطًا إياها بالبنى الغريزية والنفسية للإنسان.
ومن ثمّ، دعا نيتشه إلى إعادة تعريف وظيفة العقل، بحيث لا يكون مصدرًا للحقيقة، بل أداةً في خدمة الحياة والغرائز، وبذلك تقوّضت فكرة «الأنا المفكّرة» بوصفها مركز الوجود.
إن مسيرة ارتقاء الفكر البشري تكاد تتوازى مع تطوّر الرؤى التي صاغها الفلاسفة وعلماء الأنثروبولوجيا والاجتماع، في إطار تصورات مادية للوجود الكلي.
ولم تكن هذه التطورات التاريخية متزامنة في جميع الثقافات والحضارات؛ إذ اختلفت مساراتها باختلاف السياقات الاجتماعية والمعرفية. ومع التحولات التي طرأت على حياة المجتمعات، لم يكن الفكر التاريخي بمنأى عن ذلك، فهو يقوم أساسًا على مركزية الماضي، الذي تُستخلص منه ملامح المستقبل.
وقد تشكّلت الحداثة بوصفها نموذجًا فكريًا ومنهجيًا تبلور بوضوح منذ القرن التاسع عشر، قرن العلم الحديث، حيث برزت أسماء فلاسفة كبار، مثل: رينيه ديكارت، وإسحاق نيوتن، وبرتراند راسل، وجان جاك روسو، وفولتير، ومارتن هيدغر، الذين أسهموا في تشكيل ملامح الفكر الحديث.
وعلى أيدي هؤلاء، توسّع البحث في قضايا العقل والوجود والميتافيزيقا، وتداخلت الفلسفة مع مختلف العلوم، من التكنولوجيا إلى الاقتصاد والتنظيم. وكان من أبرز أهدافهم ترسيخ فكرة استقلال الذات الإنسانية سياسيًا وأخلاقيًا، في إطار عقلٍ مشتركٍ جامع.
وقامت الحداثة على نزعة إنسانية ترى الإنسان كائنًا حرًا فاعلًا، صانعًا لعالمه، ومنتجًا لموارده، ومواجهًا للتاريخ بثقة نحو التقدّم. كما مهّدت للتصور التقني للعالم، وللانفتاح الكوسموبوليتي، وللثورات العلمية، ومنها الثورة الجينية، حيث تمكن العلم من سبر أغوار الخلية وضبط الشفرة الوراثية، بما أتاح إمكانات هائلة في التحكم والتعديل.
وقد أحدث هؤلاء المفكرون تحوّلًا عميقًا في البنية المعرفية للعلم الحديث، وأسّسوا لطرائق جديدة في فهم الواقع السياسي والاجتماعي، ضمن نسيج معقّد من التجارب الإنسانية. كما برز دور مراكز التفكير السياسي في صياغة الرؤى الاستراتيجية للحضارة الغربية، عبر منظومات قيمية وسرديات تاريخية.
وقد شهد العالم نقاشات واسعة حول الحداثة وما بعدها، خصوصًا في ظل تحولات النظام العالمي، حيث طُرحت أسئلة حاسمة تتعلق بمصير الدول، لا سيما في بعض مناطق العالم، ومنها العالم العربي، في ظل الحروب والفقر والتفكك المؤسسي.
ويرى بعض المفكرين أن عددًا من الدول مهدّد بالاندثار خلال العقود القادمة، نتيجة التخلف البنيوي، والصراعات الدموية، وضعف المؤسسات، والانقسام الطائفي والعرقي، وهي عوامل أدت إلى تفكك بنيتها الداخلية، وانزلاقها نحو الفوضى والعدمية.
وفي ظل هذه الأوضاع، تعيش بعض الدول حالة ارتداد إلى ما قبل الدولة، حيث تسود النزاعات، وتنهار البنى الإدارية والاقتصادية، ويتراجع الإنسان إلى شروط بدائية من الوجود، في مشهد يذكّر بعصور الانحطاط.
كل هذه العوامل قد تقود إلى انهيار شامل وانحلال تدريجي لهذه الدول، وتمهّد لتلاشيها واندثارها، بما ينذر بمستقبل إنساني مأزوم، ويطرح ضرورة التفكير في نظام عالمي جديد، يتجاوز عجز المؤسسات الدولية الراهنة، مثل منظمة الأمم المتحدة، التي لم تفلح في الحد من الانقسام والتشرذم العالمي.






