مثل حجر يُلقى فى بحيرة، جاءت «الطلقة» الحوثية الأولى لتكسر إيقاع الأسابيع الأربعة الماضية من الحرب الأمريكية- الإسرائيلية على إيران، وتفتح فصلا إضافيا فى مسرحٍ إقليمى تتكدس فيه الجبهات، وتتقاطع على خرائط الملاحة، والطاقة، والأمن. لقد أعلن الحوثيون الجمعة والسبت الماضيان أنهم أطلقوا صواريخ باتجاه إسرائيل، وقال الجيش الإسرائيلى إنه اعترض صاروخا انطلق من الأراضى اليمنية؛ وهو حدث يعد الأول من نوعه منذ اندلاع هذه الحرب، وقد وقع يوم السبت الماضى، ليؤكد تحول اليمن، مرة أخرى، إلى ساحة جانبية فى صراعٍ أكبر منه، ومنذ 28 فبراير الماضى المشهد تحكمه معادلة القوة الخشنة (ضربات أمريكية وإسرائيلية متواصلة داخل إيران، وإيقاع تصعيدى من طهران بات مع الأيام أسرع من قدرة الوسطاء على اللحاق به)، بينما تقارير دولية مستقلة تتحدث عن كثافة نيرانية «غير مسبوقة» قياسا بحملات حديثة، مع تعهدات علنية بمواصلة الضغط العسكرى، وتلك هى الخلفية الصلبة التى قررت فى ضوئها صنعاء الدخول، ولو بضربة صاروخ واحد فى هذه المرحلة، لكن الوضع أن طرفا فى الحركة الحوثية يدين بالولاء الإستراتيجى لطهران، ويحرص على تثبيت صورة «عضوٍ فاعل فى محور المقاومة»، وطرف آخر أكثر حذرا يحسب تكلفة التوغل فى حرب فجوتها التدميرية أكبر كثيرا من قدرة الجماعة على الاحتمال، ولهذه المفارقة قراءات يمنية (بين رغبة فى الاستثمار الدعائى وتثبيت الهوية المحورية، وخوف صريح من استدعاء ردود قاصمة كما خبرت الحركة نفسها فى ضربات موجعة سابقة، مثلما جرى خلال إحدى العمليات عندما استهدفت المقاتلات الإسرائيلية فى أغسطس عام 2025 منزل رئيس حكومة الحوثيين أحمد غالب الرهوى فى صنعاء، مما أدى إلى مقتله وعدد من وزرائه). وختاما، قد تبدو «الطلقة الأولى» محاولة لالتقاط التوازن بين شرطين مستحيلين (ألا تبدو الجماعة خارج الاصطفاف الإيرانى، وألا تنزلق إلى موقع الهدف)، لكن الأهم أن الضربة الحوثية، وإن كانت محدودة الأثر عسكريا فى ميزان القوة المباشر مع إسرائيل، فإنما هى ذات أثر سياسى إستراتيجى لأنها توسع رقعة الحرب، مما يجعلها على شكل «حرب متعددة الجبهات» بما يربك التخطيط الإسرائيلى، ويستهلك جزءا من آليات الرد بعيدا عن الساحة الإيرانية نفسها.
نقلاً عن “الأهرام”







