حين تجفّ الأرض… وتبقى الكراسي رطبة

بقلم: شادي عياد

يبدو أن فلسطين دخلت أخيرًا العصر الذي بشّرنا به بعض أصحاب المعالي: عصر الحلول السماوية للإخفاقات الأرضية.

فبعد كل ما مرّ على هذا الشعب العظيم من خيام اللجوء إلى مكاتب الانتظار، ومن الشهداء والاسرى إلى طوابير الرواتب المبتورة ( لناس وناس )ومن الحواجز في الطرقات إلى الحواجز داخل العقول اكتشفنا أن الأزمة لم تعد في نقص الحلول، بل في وفرة المنقذين وندرة الوطن.

فنحن أمام مشهد سياسي يستحق أن يُدرّس في كتب السخرية السوداء: أرضٌ تُنهش كل يوم، وناسٌ يزدادون فقرًا واحتلالٌ يبتلع الجغرافيا ومستعمرون يسرحون في القرى كما لو أن القانون كُتب على مقاس بنادقهم، فيما بعض إداراتنا الموقرة ما زالت تبحث عن الطاولة المناسبة للاجتماع الذي سيناقش موعد الاجتماع القادم.

ثلاثون عامًا من مملكة أوسلو العجيبة
ثلاثون عامًا من اللجان التي أنجبت لجانًا،
والطاولات التي ولّدت طاولات
والكراسي التي تحوّلت من أدوات خدمة إلى سلالات سياسية تتوارث الوطن كما لو كان قطعة أثاث عائلية.

في هذه الأثناء لم يتوقف الاحتلال عن تقديم “حلوله الأرضية” بطريقته الخاصة:
ضمٌّ زاحف
واستيطانٌ منفلت
وإبادةٌ مفتوحة في غزة
وعربدة يومية للمستوطنين في الضفة
والأخطر من ذلك كله: الدفع بقوانين أكثر وحشية بحق الأسرى الفلسطينيين وصولًا إلى قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين وكأن السجن لم يعد يكفيهم فأرادوا تحويل الزنازين إلى مقاصل تشريعية.

يا لها من مفارقة دامية:
حيث هناك من يسنّون قوانين للموت
وهنا من يشكّل لجنة لدراسة أثر الموت على الرواتب.

ولأن المأساة في فلسطين لا تكتمل إلا إذا شاركتها الجيوبب فقد جاء الارتفاع الجنوني لأسعار المحروقات مسرعاً جدا ليضيف سخرية أخرى إلى المشهد الدامي .

فالمواطن الذي كان بالكاد يملك ثمن الطريق إلى عمله أصبح اليوم مطالبًا أن يختار بين البنزين والخبز وبين الوصول إلى الوظيفة أو إبقاء الضوء مشتعلًا في البيت.

حتى السيارة في هذا البلد أصبحت تفكر مرتين قبل أن تتحرك.

أما المسؤول الذي يعيش في مدارٍ أعلى من مدار الناس فما زال يعتقد أن المشكلة تكمن في ضعف صبر المواطن لا في انفجار كل تفاصيل الحياة وليس اخرها الأسعار ولا في الرواتب الميتة ولا في الأقساط المذلة ولا في وطنٍ أصبح التنقل فيه مغامرة بين حاجز موت وقرار قتل .

أيها السادة الكرام إن الشعب الذي صبر على الاحتلال وعلى الانقسام وعلى الفساد وعلى بطء المؤسسات وعلى عبث المنقذين، لم يعد يطلب خطابات ولا بيانات خشبية.

إنه يطلب حلولًا فورية.

حلولًا تبدأ من الداخل قبل الخارج:

أولًا: وعلى سبيل المثال إعلان حالة طوارئ اقتصادية وطنية توقف نزيف الرواتب والمستحقات وتضع ملف الأسعار والمحروقات فوق كل الأولويات.

ثانيًا: إعادة هيكلة حقيقية للإدارة التنفيذية لا تبديل مقاعد بين نفس الوجوه بل ضخّ دماء شابة قادرة على القرار قبل أن يشيخ القرار في الأدراج.

ثالثًا: تحرك سياسي وقانوني عاجل على المستوى الدولي لمواجهة مشاريع الإعدام بحق الأسرى وتحويل هذا الملف إلى معركة رأي عام عالمي لا تقل أهمية عن معركة الأرض.

رابعًا: وقف إرث الوظيفة السياسية والإدارية العائلية لأن الوطن لا يُدار بمنطق السلالة بل بمنطق الكفاءة والتضحية.

خامسًا: استعادة روح فتح الأولى ،روح الحركة التي وُلدت لتقود الناس لا لتجلس فوق تعبهم.

هذه ليست صرخة عاجزين
ولا ضجيج مشاغبين
بل صرخة شرفاء فلسطين
وأبناء حركة فتح الذين يعرفون أن السكوت في هذه اللحظة خيانة للفكرة قبل أن يكون خيانة لله و للناس.

إلى فخامة الرئيس محمود عباس
وإلى الإخوة الاحباء في اللجنة المركزية:

الناس لم تعد تنتظر مركبة فضائية
ولا مديرًا يابانيًا
ولا لجنة جديدة.

الناس تريد دولةً تشبه دماء شهدائها
ومؤسسةً تشبه صبر موظفيها
وقرارًا يشبه حجم الخطر.

لقد تعبنا انتظارًا…
لكننا هذه المرة لا نكتب لنشكو فقط
بل لنقول وبوضوح:

إما أن تُنقذوا ما تبقى من روح الناس فورًا
أو سيكتب الشعب بنفسه نهاية عصر الكراسي الرطبة فوق أرضٍ تجفّ من الحياة يوما بعد يوم .