السياسي – في ظل تصاعد التوترات في الشرق الأوسط، تتزايد المؤشرات على أن الحرب بين الولايات المتحدة وإيران دخلت مرحلة معقدة، حيث لم يعد التفوق العسكري الأمريكي كافيا لحسم الصراع، وسط مخاوف متنامية من تداعيات اقتصادية عالمية قد تتحول إلى أزمة واسعة إذا استمر التصعيد.
قال محلل الشؤون السياسية في شبكة الـ “سي إن إن”، ستيفن كولينسون، إن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي اعتاد التشكيك في امتلاك خصومه “أوراق قوة”، يواجه الآن اختبارا حقيقيا لمدى فعالية أوراقه في المواجهة مع إيران.
وأشار إلى أنه رغم ما تتمتع به الولايات المتحدة من تفوق واضح في العتاد والقدرات العسكرية والاقتصادية، إضافة إلى دعم الاحتلال الإسرائيلي، فإن مسار الحرب يكشف عن واقع أكثر تعقيدا، إذ نجحت إيران في تحويل عناصر محدودة من قوتها إلى أدوات ضغط مؤثرة.
وأوضح أن طهران، رغم العقوبات القاسية المفروضة عليها، لم تكتف بالصمود، بل تمكنت من فرض معادلة ردع غير مباشرة، دفعت الصراع إلى التحول من مواجهة عسكرية تقليدية إلى صراع نفوذ يعتمد على إدارة الضغوط المتبادلة.
وأضاف كولينسون أن الحرب، بعد مرور أسابيع على اندلاعها، لم تعد تدور حول تحقيق نصر عسكري سريع، بل أصبحت معركة استنزاف سياسية واقتصادية، حيث يواجه ترامب معضلة حقيقية تتمثل في أن أي نصر حاسم قد يتطلب تحمل كلفة باهظة لا يبدو مستعدًا لها.
ولفت إلى أن أبرز أوراق الضغط الإيرانية تمثلت في تعطيل الملاحة عبر مضيق هرمز، أحد أهم الممرات الحيوية لنقل النفط عالميا، ما منح طهران قدرة على التأثير في الاقتصاد الدولي، ووضع واشنطن تحت ضغط سياسي واقتصادي متزايد.
“انتصار دبلوماسي”
وأشار كولينسون إلى أن هذا التعقيد ظهر بوضوح في تصريحات البيت الأبيض، حيث وصفت المتحدثة باسم الإدارة سماح إيران بمرور عدد محدود من ناقلات النفط بأنه إنجاز دبلوماسي.
غير أن هذا التوصيف، بحسب التحليل، يعكس مفارقة واضحة، إذ إن حجم الناقلات المسموح بها يظل ضئيلًا مقارنة بحركة الملاحة الطبيعية قبل الحرب، ما يعني أن ما يُقدم كنجاح ليس سوى تخفيف جزئي لأزمة قائمة.
وأوضح أن هذا الواقع يضع الولايات المتحدة في موقف غير معتاد، حيث تضطر إلى التفاوض للحصول على تنازلات محدودة، رغم كونها القوة الأكبر، وهو ما يعكس حدود القوة العسكرية عندما تتداخل مع الحسابات الاقتصادية والسياسية.
وأكد كولينسون أن واشنطن تمتلك القدرة العسكرية لفتح المضيق بالقوة، إلا أن هذا الخيار ينطوي على مخاطر كبيرة، من بينها احتمال تعرض سفن أمريكية لهجمات إيرانية، وهو ما قد يمنح طهران مكسبًا دعائيًا كبيرًا، حتى دون تحقيق نصر عسكري مباشر.
كما أشار إلى أن أي تدخل عسكري أوسع قد يستدعي نشر قوات برية، ما يزيد من احتمالات وقوع خسائر بشرية، وهو سيناريو يحمل تداعيات سياسية داخلية حساسة بالنسبة لترامب.
سيناريوهات التصعيد
وفيما يتعلق بالخيارات المطروحة، لفت إلى أن الإدارة الأمريكية تدرس خطوات تصعيدية، من بينها استهداف مراكز تصدير النفط الإيرانية أو السيطرة على مواقع استراتيجية في الخليج، مثل جزيرة خرج.
وأضاف أن ترامب ألمح إلى إمكانية استخدام قوة عسكرية واسعة لتدمير البنية التحتية الإيرانية إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق، إلا أن مثل هذه الخطوات قد تدفع إيران إلى ردود انتقامية ضد أهداف في دول الخليج، ما يهدد بتوسيع نطاق الصراع.
وأشار إلى أن هذا السيناريو قد يؤدي إلى اضطرابات حادة في أسواق الطاقة، مع ارتفاع أسعار النفط وتزايد المخاوف من ركود اقتصادي عالمي، خاصة في ظل الاعتماد الكبير على إمدادات الطاقة القادمة من المنطقة.
مخاطر اقتصادية وإنسانية
كما أوضح كولينسون أن التلويح باستهداف منشآت حيوية، مثل محطات تحلية المياه، أثار تساؤلات حول التداعيات الإنسانية والقانونية، في ظل اعتماد دول الخليج على هذه المنشآت كمصدر أساسي للمياه.
وأكد أن أي تصعيد واسع قد يؤدي إلى انهيار في الأسواق العالمية، مع امتداد تأثيراته إلى سلاسل الإمداد الدولية، وهو ما يضاعف من خطورة استمرار الحرب.
أدوات الضغط الاقتصادية
وأشار إلى أن الولايات المتحدة لا تزال تمتلك أوراق ضغط اقتصادية، أبرزها العقوبات على صادرات النفط الإيرانية، إلا أن استخدامها يظل معقدًا، إذ قد يؤدي إلى نتائج عكسية، من بينها ارتفاع أسعار الطاقة عالميًا.
وأضاف أن الإدارة الأمريكية اضطرت في وقت سابق إلى اتخاذ خطوات لتخفيف بعض القيود المرتبطة بالنفط الإيراني، في ظل القلق من تأثير ارتفاع الأسعار على الاقتصاد العالمي.
حسابات معقدة للطرفين
في المقابل، أكد كولينسون أن إيران تراهن على عامل الوقت، إذ إن إطالة أمد الصراع تزيد من الضغوط على واشنطن، وتجعل أي تسوية مستقبلية أكثر صعوبة سياسيًا بالنسبة لترامب.
وأشار إلى أن طهران لا تحتاج إلى تفوق عسكري مباشر، إذ يكفيها استمرار التهديد في مضيق هرمز لفرض كلفة اقتصادية مرتفعة على خصومها، لافتًا إلى أن بضع هجمات محدودة قد تكون كافية لإحداث تأثير واسع في الأسواق.
كما لفت إلى أن استمرار الحرب يفرض ضغوطًا إضافية على حلفاء الولايات المتحدة في الخليج، الذين يسعون إلى تنويع اقتصاداتهم بعيدًا عن النفط، وهو ما يزيد من تعقيد المشهد الإقليمي.
تحذيرات من مسار خطير
وأشار إلى أن استمرار هذا التوازن الهش—حيث لا يستطيع أي طرف تحقيق نصر حاسم ولا يرغب في تقديم تنازلات كبيرة—يزيد من خطر الانزلاق إلى تصعيد غير محسوب.
ونقل عن خبراء تحذيرات من أن فقدان القدرة على التراجع قد يدفع الأطراف إلى خيارات أكثر حدة، ما يقلل فرص الحل الدبلوماسي ويزيد من احتمالات المواجهة المباشرة.
واختتم كولينسون بالإشارة إلى أن الصراع الحالي يعكس حدود القوة في عالم مترابط اقتصاديًا، مؤكدًا أن غياب مخرج سياسي واضح قد يقود إلى أزمة تتجاوز حدود المنطقة، وتضع الاقتصاد العالمي أمام اختبار صعب، في حال استمرار التصعيد دون ضوابط.







