السياسي – بدأت تداعيات الحرب المشتعلة في الشرق الأوسط تطال القارة السمراء التي وجدت نفسها أمام أزمات اقتصادية غير مسبوقة، دفعتها لاتخاذ إجراءات تقشف متعددة.
وكانت المفارقة أن دولا أفريقية غنية بالنفط والغاز وجدت نفسها عاجزة عن توفير الوقود لمواطنيها، والسبب اعتمادها استيراد الوقود المكرر.
وتسببت فاتورة الطاقة المرتفعة في استنزاف الاحتياطيات النقدية لدول القارة، مما دفع الحكومات لإعلان حالة من التقشف الصارم شملت تجميد التوظيف في القطاع العام وخفض ميزانيات السفر، ورفع أسعار المحروقات، وتقييد حركة المركبات، وترشيد الإنفاق العام بدرجات متفاوتة.
في خطوة وصفت بغير المسبوقة ألغت الحكومة النيجيرية دعم الوقود كليا، ما تسبب في قفزت بأسعار البنزين مما أدى إلى تضخم جامح جعل رغيف الخبز بعيد المنال للملايين.
وفي كينيا رفعت الحكومة أسعار الكهرباء لتغطية تكاليف الإنتاج المرتبطة بالوقود المستورد، مما وضع المصانع المحلية في مواجهة مباشرة مع خطر الإفلاس.
وفي موريشيوس فرضت السلطات قيودا على استخدام الكهرباء، ومنعت إنارة الشوارع العامة واستخدام وسائل التدفئة.
وفي جنوب إفريقيا الدولة الأكثر تصنيعا في القارة السمراء أعلنت الحكومة أنها ستخفض ضريبة الوقود لمدة شهر واحد لمنع ارتفاع أسعاره بشكل أكبر.
وفي ناميبيا قالت الحكومة إنها ستخفض رسوم الوقود مؤقتا بنسبة 50 بالمئة لمدة ثلاثة أشهر على الأقل حتى نهاية حزيران/يونيو القادم، في محاولة لحماية المستهلكين من ارتفاع أسعار الوقود.
وفي إثيوبيا تلوح في الأفق أزمة كبيرة في مجال الطاقة، وتفاديا لذلك دعت الحكومة المواطنين إلى ترشيد استهلاك الوقود، وتوجيه الإمدادات المتاحة لتلبية الاحتياجات الرئيسة والضرورية، وفي مصر تسبب الأزمة في موجات غلاء متتالية مست صميم حياة الطبقة المتوسطة والفقيرة.
في موريتانيا أعلنت الحكومة حزمة من الإجراءات شملت رفع أسعار المحروقات، وتقليص دعم الغاز المنزلي، وفرض قيود على حركة المركبات.
ورفعت الحكومة أسعار البنزين والديزل بنسب تتراوح ما بين 10% إلى 15%، بالتوازي مع خفض الدعم الموجه لأسطوانات الغاز المنزلي بنحو 60%.
وفي خطوة تهدف إلى خفض معدلات الاستهلاك، حظرت الحكومة حركة المركبات بكافة أنواعها ابتداء من منتصف الليل وحتى الساعة الخامسة فجرا، واصفة الإجراء بأنه ضرورة لـ “ترشيد استهلاك الطاقة” في ظل الظروف الراهنة.
لكن وفي محاولة منها لتخفيف وطأة القرارات، أعلنت الحكومة عن إجراءات مصاحبة شملت رفع الحد الأدنى للأجور: بمقدار 5 آلاف أوقية (نحو 10 دولارات) وصرف مبلغ 45 ألف أوقية (نحو 120 دولاراً) لمرة لمساعدة الموظفين العموميين على مواجهة كلفة الغاز المنزلي.
وفي خطوة تضامنية أعلنت الرئاسة الموريتانية أن الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني قرر التنازل عن مليون أوقية (نحو 2700 دولار) من راتبه الشهري، كما أعلن أعضاء الحكومة عن تنازلهم عن نسب من رواتبهم لدعم ميزانية تخفيف آثار أزمة الطاقة.
وفي سياق القراءات الرقمية القاتمة، تشير تقديرات مؤسسات الأبحاث والاستشارات إلى انكماش متوقع في معدلات النمو الاقتصادي للقارة الأفريقية ليهبط إلى نحو 3.9% خلال العام الجاري، وسط ترجيحات بمزيد من التدهور في مؤشرات عام 2026.
ويعود هذا التراجع بالأساس إلى الارتهان التاريخي لغالبية دول القارة لواردات الطاقة الخارجية؛ حيث تسبب اشتعال أسعار الوقود في موجة تضخمية تسللت لقطاعات النقل والسلع الأساسية، مما وضع البنوك المركزية الأفريقية في مأزق استراتيجي.
وفي صدارة قائمة الاقتصادات المتآكلة تحت وطأة المواجهة الإقليمية، تبرز الدولة المصرية كأحد أكثر المتأثرين، حيث عدلت مؤسسة أكسفورد إيكونوميكس نظرتها المتفائلة لنمو الاقتصاد المصري لعام 2026 هبوطاً إلى نحو 4.5%، بعد أن كانت التوقعات تلامس عتبة 4.9%.
هذا التراجع يأتي كنتيجة مباشرة لتعثر إمدادات الغاز، والتهديدات الجدية التي تلاحق حركة الملاحة في قناة السويس، فضلاً عن الضغوط المتزايدة على العملة المحلية والتدفقات المالية المرتبطة بالحليف الخليجي.
ولم يكن شرق القارة بمنأى عن هذه الهزات الارتدادية، إذ انخفضت توقعات النمو في كينيا لعام 2026 إلى نحو 4.1% مقارنة بتقديرات سابقة بلغت 4.6%.
ويعزو المحللون هذا الانكماش إلى ارتباط نيروبي بواردات الوقود القادمة من الشرق الأوسط، وتأثر تحويلات الكينيين العاملين في دول الخليج، مما وضع ميزان المدفوعات في مهب الريح.
وفي ذات الإقليم، طالت المراجعات اقتصاد موزمبيق، الذي بات يترنح عند مستويات نمو لا تتجاوز 0.4% لعام 2026، في ظل تقاطع الأزمات الهيكلية الداخلية مع تداعيات الصراع المشتعل في مضايق الشرق الأوسط.
ويرى مراقبون أن القارة الأفريقية تدفع اليوم ثمن ارتباطها الهش بالاقتصاد العالمي، فإغلاق المضايق أو حتى التهديد به في ظل الحرب الأمريكية-الإيرانية-الإسرائيلية، ينعكس بشكل مباشر على دول القارة.
ويرى متابعون أن التقشف القسري الذي تنتهجه الحكومات الأفريقية حاليا مجرد حلول مؤقتة فرفع الأسعار وخفض الإنفاق الاجتماعي في ظل أزمة طاقة عالمية قد يحمي الموازنات لأسابيع، لكن قد يتسبب في اضطرابات ببعض مناطق القارة.
ويلفت متابعون إلى أن التقشف في أفريقيا لا يعني تقليص الرفاهية، بل يعني تقليص عدد الوجبات اليومية، ونقص الرعاية الصحية، ما قد ينذر بانفجار يقلق الأنظمة.








