السياسي – متابعات
تعتمد مراكز البيانات والأنظمة الرقمية التي تشغل شبكة الإنترنت والذكاء الاصطناعي حول العالم على قرابة 800 مليار لتر من المياه العذبة يومياً لضمان استمرار عملياتها بكفاءة.
ويعكس هذا الرقم الحجم الهائل للبنية التحتية المطلوبة لدعم التحول الرقمي العالمي، حيث يمكن للمنشآت الكبرى أن تستهلك ما يصل إلى 18.9 مليون لتر يومياً، وهو ما يضع إدارة الموارد الطبيعية في قلب استراتيجيات التطوير التقني الحديث.
نمو الطاقة والتوجه نحو الكفاءة المائية
يمثل توسع الذكاء الاصطناعي ونشر الخوادم المتقدمة مرحلة جديدة من مراحل التطور الصناعي، وهو ما يصاحبه بطبيعة الحال زيادة في الاحتياجات اللوجستية.
ففي الولايات المتحدة، ارتفعت حصة مراكز البيانات من استهلاك الكهرباء الوطني من 1.9% في عام 2018 إلى نحو 4.4% حالياً، ومن المتوقع أن تصل هذه النسبة إلى 12% بحلول عام 2028 مع استمرار وتيرة الابتكار.
ولا يقتصر الاهتمام على الطاقة فحسب، بل يمتد ليشمل الإدارة المائية؛ حيث تتطلب مراكز البيانات كميات من المياه للتبريد المباشر، وتدخل بشكل غير مباشر في عمليات توليد الكهرباء وتصنيع المكونات الصلبة.
وتشير الإحصاءات إلى أن الاستهلاك المباشر لمراكز البيانات الأمريكية نما من 21.2 مليار لتر في عام 2014 ليصل إلى 66 مليار لتر في عام 2023، وهي زيادة تتماشى مع القفزة الهائلة في القدرات الحسابية المطلوبة لتدريب نماذج لغوية ضخمة مثل GPT-3.
ابتكارات التبريد
تسعى مراكز البيانات باستمرار لتحسين آليات التخلص من الحرارة الناتجة عن المعالجات لضمان استقرار الأداء.
وبينما كان الاعتماد سابقاً على التبريد بالهواء (المراوح)، الذي يستهلك طاقة كهربائية عالية مقابل استهلاك مائي محدود، برز “التبريد التبخيري” كخيار أكثر كفاءة في استخدام الطاقة.
هذا التوجه نحو الكفاءة الطاقية يطرح معادلة دقيقة؛ فالأنظمة التبخيرية تساهم في خفض فواتير الكهرباء ولكنها تؤدي إلى تبخر كميات من المياه.
وغالباً ما يتم توفير هذه المياه من المرافق المحلية، مما دفع كبرى الشركات إلى البحث عن حلول بديلة ومبتكرة، مثل “التبريد بالسائل” (Immersion Cooling)، حيث يتم غمر الأجهزة في سوائل غير موصلة للكهرباء لتشتيت الحرارة بفعالية أكبر ودون هدر مائي.
البصمة المائية غير المباشرة
يتجاوز الأثر المائي لمراكز البيانات مجرد عمليات التبريد اليومية، إذ يمثل الاستهلاك غير المباشر الجزء الأكبر من البصمة المائية الإجمالية، ويصل في الولايات المتحدة إلى نحو 800 مليار لتر عبر مسارين رئيسيين:
– قطاع الطاقة: تستهلك محطات الطاقة التي تغذي هذه المراكز كميات كبيرة من المياه لإنتاج البخار والتبريد.
– التصنيع التقني: تتطلب العمليات الدقيقة لتصنيع الرقائق الإلكترونية ما بين 2.1 إلى 2.6 غالون من الماء لكل رقاقة، لضمان أعلى معايير الجودة والنظافة للموصلات.
التحديات المحلية وفرص التطوير
رغم أن مراكز البيانات لا تمثل سوى جزء بسيط من إجمالي استهلاك المياه، إلا أن إدارتها تتطلب رؤية محلية دقيقة، فقد شهدت السنوات الثلاث الماضية بناء أكثر من 160 مركز بيانات جديد في الولايات المتحدة، بعضها في مناطق تواجه تحديات في وفرة المياه.
مبادرات الاستدامة
استجابةً لهذه المسؤوليات البيئية، أعلنت شركات تقنية رائدة مثل “غوغل” و”مايكروسوفت” عن التزامات طموحة لتصبح “إيجابية مائياً” (Water Positive) بحلول عام 2030، من خلال استعادة كميات من المياه تفوق ما تستهلكه. كما بدأت المنظمات الدولية (ISO/IEC) في دمج معايير البصمة المائية ضمن مقاييس استدامة الذكاء الاصطناعي.
ومع سعي القطاع نحو مزيد من الشفافية في تقارير الاستهلاك، يبرز دور برامج مثل “الاقتصاد الرقمي والبيئة” (DEEP) في تعزيز السياسات التي تساعد صناع القرار على اختيار مواقع استراتيجية لمراكز البيانات، بحيث تتوفر الطاقة والمياه المستدامة، مما يحول هذه المراكز إلى أصول تدعم الشبكات المحلية بدلاً من أن تكون عبئاً عليها.







