السياسي – كشفت صحيفة “يديعوت أحرونوت” عن تفاصيل جديدة تتعلق باغتيال القيادي العسكري في حركة حماس، محمود المبحوح في دبي، قبل نحو 16 عاما على يد الموساد الإسرائيلي، في حادثة التزمت الإمارات حيالها الصمت، رغم الكشف عن معظم أعضاء الفريق الذي نفذ الجريمة.
والتفاصيل التي ستنشر ضمن وثائقيات “حرب الظلال – الاغتيال في دبي”، التي ستُبث يوم الاثنين المقبل على قنوات HOT8 وHOTVOD وNEXT TV تكشف أن “الموساد” حاول تنفيذ محاولتي اغتيال بالسم للمبحوح، قبل أن تنجح المحاولة الأخيرة التي نفذها نحو فريق متخصص يتكون من 27 عنصرا داخل أحد الفنادق في دبي في صباح أحد أيام كانون الثاني/ يناير 2010، وتسببت لاحقا بتغيير نمط وطريقة الاغتيالات في أعقاب فضيحة عالمية مدوية.
-تفاصيل لم ترو من قبل
في ذلك الصباح، عُلّقت على باب الغرفة رقم 230 في فندق البستان روتانا لافتة مألوفة كُتب عليها “يرجى عدم الإزعاج”. بدأت عاملة النظافة، المسؤولة عن الغرفة، بالقلق. قالت للشخص المسؤول: “لم أدخل للتنظيف منذ مدة طويلة”. طرقت الباب، لكن لم يكن هناك صوت ولا رد. مرت ساعات طويلة منذ أن غادر النزيل الغرفة. مرت أيام، وحان وقت المغادرة، ولم يأتِ لدفع الفاتورة ولم يُجب على الهاتف. حتى عندما طرق حارس أمن الفندق الباب مرارًا وتكرارًا، ثم طرقه بقوة، لم يُجب. عندما فتحوا الباب بالبطاقة المغناطيسية، علق، واتضح أنه مُقفل من الداخل بخطاف.
عندما كسروا الباب، وجدوا الغرفة مُرتبة بعناية. كان يرقد على السرير رجل يرتدي بيجامة، ويبدو أنه غارق في النوم. ولكن عندما اقتربوا منه، وجدوه فاقداً للوعي، وعندما فحصوا نبضه، تبين أنه قد فارق الحياة.
-الوثائق التي كان يحملها المبحوح
أظهرت وثائقه، وجواز سفر صادر عن السلطة الفلسطينية، أنه تاجر فلسطيني يُدعى محمود عبد الرؤوف محمد، قدم إلى دبي لأغراض تجارية. بدا كل شيء قانونيًا. كما بدا تعرضه لنوبة قلبية، أو ما يشبه السكتة الدماغية وهو في فراشه، أمرًا مأساويًا، ولكنه ليس غريبًا. فهذا يحدث من حين لآخر في الفنادق. اتصل موظفو فندق البستان روتانا بطبيب أعلن وفاته، ونُقل بسيارة إسعاف إلى المشرحة القريبة.
لم يكن أحد يعلم حينها أن هذا الرجل كان في الواقع مسؤولًا رفيعًا في حماس، أحد قادة الجناح العسكري، عز الدين القسام، الذي قتل جنديين إسرائيليين بمفرده، وكان آنذاك محورًا رئيسيًا في شبكة تهريب أسلحة ضخمة من إيران إلى السودان، ومن هناك عبر مصر إلى سيناء وقطاع غزة. لقد وضع أسس الشبكة العسكرية التي أنشأتها حماس، واسمه الحقيقي محمود المبحوح.
لكن في اليوم التالي، لم يرد مبحوح على اتصال بمقر حماس في دمشق. بدأ رجاله يشكون، أين هو؟ ماذا حدث؟ لماذا لا يتصل؟ بعد تحقيق وجيز، أدركوا أنه عقد اجتماعاته في 19 يناير، ثم اختفى.
أفاد أحد رسل حماس، الذي كان من المفترض أن يقابله، بأنه لم يصل، مما زاد من حالة التأهب. بحثوا عنه في وسائل الإعلام – ولم يجدوا شيئًا. فتشوا المستشفيات – ولم يجدوا شيئًا. في النهاية، بدأوا البحث في قوائم المشرحة عن اسم التاجر الفلسطيني عبد الرؤوف، حتى عثروا على جثته.
قدرت حماس أن هناك احتمالًا كبيرًا أن تكون “إسرائيل” قد اغتالت مبحوح، ولهذا السبب تحديدًا قررت عدم المطالبة بتحقيق أو الاتصال بشرطة دبي أو أي جهة خارجية أخرى، فضّلت حماس التغاضي عن الأمر، وعزمت من جانبها على نقل الجثمان إلى غزة، لإقامة جنازة مهيبة، لكن عائلة مبحوح كانت لها خطط أخرى.
يقول رئيس الوزراء السابق إيهود أولمرت، الذي وقّع أول أمر الاغتيال ضد المبحوح، في مقابلة: “كانت العملية بحد ذاتها عملية بارعة”. ويضيف: “عندما عُثر على جثة المبحوح في غرفة الفندق، كان واضحًا للسلطات هناك أنه توفي بنوبة قلبية”.
تقول التفاصيل إن مبعوثين من حماس التقوا قائد شرطة دبي، وأبلغوه أن الموساد هو المسؤول عن ذلك. لم يكونوا متأكدين تمامًا، لكنه كان افتراضًا منطقيًا بعد أن قتل الموساد العديد من قادة حماس. هذه المحادثة، التي قيل فيها إن القتيل كان عنصرًا من حماس يُدعى المبحوح، غيّرت مسار التحقيق تمامًا، من حالة وفاة طبيعية إلى اغتيال.
انفجر خلفان المكلف بحفظ السلام في دبي، غضبًا في وجه رجال حماس. شتمهم وأمرهم قائلًا: “خذوا جوازات سفركم المزورة، وارحلوا من هنا”. وأوضح لهم: “لا تتحدثوا معي مجددًا، ولا أريد التعامل مع حماس بأي شكل من الأشكال”.
لكن في الوقت نفسه، أدرك خلفان أنه إذا كانت دولة أجنبية وجهاز استخبارات كالموساد يعملان على أراضي دبي بهذه الطريقة، فهذا أمر لا يمكن للسلطات قبوله. وأكد قائلًا: “لا نريد أن تُستغل بلادنا، لا من قبل الموساد ولا من قبل أي جهة أخرى”.
كانت هذه بداية واحدة من أكثر قضايا الاغتيال إثارةً للجدل، وإحراجًا، وتفصيلًا، وتوثيقًا في تاريخ الاستخبارات الحديثة. لم يكن السبب فقط أن الهدف كان مسؤولًا رفيعًا في حماس كان مُراقبًا لعقود، بل لأن العملية، التي كان من المفترض أن تكون عملية سرية أخرى في عالم الظلال، انكشفت أمام أعين العالم لحظة بلحظة. أولئك الذين دخلوا دبي كأجانب مجهولين، بهويات مزورة، وجوازات سفر أوروبية، وأزياء، وحجابات، ومضارب تنس، وقصص مُلفقة بعناية – تركوا وراءهم سلسلة طويلة من الكاميرات، والوثائق، وقوائم الركاب، وبطاقات الخصم، وتحقيقًا دؤوبًا، جعل الأسماء والوجوه والأساليب مشهورة في جميع أنحاء العالم بعد بضعة أشهر.
يُقدّم الوثائقي الجديدلأول مرة القصة الكاملة لاغتيال محمود المبحوح. في هذا المسلسل، والمستند إلى أحدث طبعة من كتاب “اصمتوا لقتله”، الذي سيصدر قريبًا عن دار نشر “كينيريت زمورا بيتان”، تفاصيل جديدة حول عملية الاغتيال، ويتحدث فيه رؤساء الموساد آنذاك بصراحة وتفصيل لأول مرة، إلى جانب شخصيات أخرى مثل رئيس الوزراء الأسبق إيهود أولمرت، وعملاء جهاز الأمن العام (الشاباك) الذين طاردوا المبحوح في قطاع غزة في ثمانينيات القرن الماضي، وكادوا أن يقبضوا عليه لولا دقائق معدودة، قبل أن يفرّ إلى مصر بعد مسؤوليته في قتل جنديين إسرائيليين، في محاولة لتنفيذ صفقات تبادل للأسرى.





