السياسي -متابعات
اقتحم الذكاء الاصطناعي أروقة صناعة السينما الهندية “بوليوود” محولاً مواقع التصوير التقليدية التي كانت تضج بأصوات المخرجين و”الكلاكيت” إلى غرف هادئة يسيطر عليها أزيز أجهزة الحاسوب وشفرات البرمجة.
وبينما تكبل النقود والقيود القانونية طموحات هوليوود في استخدام هذه التقنية، تنطلق الهند في سباق محموم لإعادة صياغة اقتصاديات الفن السابع، مراهنةً على الكفاءة والسرعة في مواجهة أسئلة الأصالة الإبداعية.
ثورة التكاليف والزمن
وحسب “رويترز”، تؤكد البيانات الواردة من استوديوهات “Galleri5” التابعة لشبكة “Collective Artists Network” أن الذكاء الاصطناعي نجح في تقليص تكاليف الإنتاج إلى الخُمس (20%) في تصنيفات معقدة مثل أفلام الأساطير والخيال، كما خفّض زمن التنفيذ إلى الربع فقط.
هذا التحوّل يأتي في وقت حساس لصناعة السينما الهندية؛ حيث تراجع عدد مرتادي السينما من 1.03 مليار في 2019 إلى 832 مليوناً في 2025، مما جعل الاستوديوهات تبحث عن حلول جذرية لضغط الميزانيات وتعويض تذبذب الإيرادات.
أساطير قديمة بتقنيات حديثة
في بنغالورو، يعكف المبرمجون والفنانون على إنتاج محتوى مستوحى من الميثولوجيا الهندوسية، مثل “رامايانا” و”مهابهاراتا”. وقد بدأت منصة “JioStar” بالفعل في عرض نسخة مولدة بالذكاء الاصطناعي من ملحمة “مهابهاراتا”، والتي سجلت 26.5 مليون مشاهدة منذ انطلاقها في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي.
ورغم هذا النجاح الرقمي، إلا أن الجمهور لم يكن رحيماً في تقييمه؛ إذ حصل العمل على تقييم 1.4 من 10 على موقع IMDb، وسط انتقادات طالت جودة المزامنة البصرية والشعور بفقدان “الروح” الفنية.

تغيير النهايات
لم يتوقف الأمر عند إنتاج أفلام جديدة، بل امتد ليشمل أرشيف السينما، فقد قامت شركة “Eros Media World” بإعادة إصدار فيلم “Raanjhanaa” (إنتاج 2013) بنهاية مغايرة تماماً عبر الذكاء الاصطناعي، حيث استبدلت النهاية المأساوية بمشهد ينجو فيه البطل.
هذه الخطوة أثارت غضب بطل الفيلم “دانوش”، الذي اعتبر أن التقنية “جردت الفيلم من روحه”، لكن لغة الأرقام كانت مغايرة؛ إذ ارتفعت مبيعات التذاكر بنسبة 12% فوق المتوسط العام، مما دفع الشركة لمراجعة كتالوغها المكون من 3000 عنوان لبحث إمكانية تعديلها.
ويبرز تقرير “رويترز” تبايناً حاداً بين الهند والولايات المتحدة؛ ففي هوليوود، تمنع عقود نقابة الممثلين (SAG-AFTRA) ونقابة المخرجين التلاعب الرقمي بالعروض دون موافقة صريحة، خوفاً من ضياع الوظائف. أما في الهند، فالتوجه يسير نحو الأتمتة الكاملة.
ويرى الباحث “دومينيك ليس” من جامعة ريدينج البريطانية أن “مركز ثقل صناعة الأفلام بالذكاء الاصطناعي سينتقل إلى الهند إذا نجحت في تقديم ما تعد به”.

تحالفات كبرى وتقنيات هجينة
جذب هذا التحول انتباه عمالقة التكنولوجيا عالمياً:
– غوغل: دخلت في شراكة مع المخرج “شاكون باترا” لإنتاج سلسلة باستخدام أدوات “Veo 3”.
– مايكروسوفت: توفر قدرات الحوسبة السحابية لشبكة “Collective”.
– إنفيديا: تسعى لتقليل تكاليف الحوسبة لتمكين المبدعين المستقلين من إنتاج أعمال ضخمة بميزانيات ضئيلة.
ولتجاوز عيوب المحتوى المولد كلياً عبر الحاسوب، تتبع الاستوديوهات الهندية “نظاماً هجيناً” يعتمد على بدلات التقاط الحركة (Motion Capture) التي يرتديها ممثلون حقيقيون، ثم تُعالج البيانات بواسطة خوارزميات الذكاء الاصطناعي لمنح الشخصيات الرقمية تعابير وجه وحركات بشرية واقعية.
السينما كـ “بيزنس”
يختصر المخرج الهندي “أنوراج كاشياب” المشهد بقوله: “في الهند، السينما ليست مجرد فن، هي تجارة بحتة”.
ورغم مخاوفه من غياب الضوابط، يعترف بأن الاستوديوهات ستستمر في هذا النهج طالما أن الجمهور ينجذب لهذه الأعمال، خاصة وأن تقديرات شركة “EY” تشير إلى أن الذكاء الاصطناعي قد يرفع إيرادات شركات الترفيه الهندية بنسبة 10% ويخفض التكاليف بنسبة 15% على المدى المتوسط.






