فتح ومؤتمرها الثامن: لحظة الحسم بين صون الإرث وصناعة المستقبل

بقلم : م.محمد علي العايدي

في لحظة وطنية دقيقة، تتقدم حركة فتح نحو مؤتمرها الثامن، ليس بوصفه استحقاقاً تنظيمياً عادياً، بل باعتباره اختباراً حقيقياً لقدرتها على البقاء في موقع القيادة، وتجديد دورها كحركة تحرر وطني تحمل مشروع شعب بأكمله. التحضيرات التي تسير بوتيرة متقدمة تعكس إدراكاً عميقاً لحجم التحديات، لكنها في الوقت ذاته تضع الحركة أمام مسؤولية تاريخية لا تقبل أنصاف الحلول ولا المجاملات التنظيمية.

فتح التي صنعت تاريخاً من النضال والتضحيات، وكتبت اسمها في وجدان الشعب الفلسطيني، تجد نفسها اليوم أمام مفترق طرق: إما أن تؤكد قدرتها على إعادة إنتاج ذاتها بروح ثورية متجددة، أو أن تنزلق نحو حالة من الجمود تفقدها تدريجياً موقعها الطبيعي في قيادة المشروع الوطني. من هنا، فإن المؤتمر الثامن يجب أن يكون لحظة حسم، تعيد فيها الحركة ترتيب بيتها الداخلي على أسس صلبة من الانضباط، والالتزام، والوضوح، بعيداً عن التردد أو الحسابات الضيقة.

إن الرهان الأول في هذا المؤتمر يكمن في استعادة الهيبة التنظيمية، وفرض معادلة واضحة تقوم على أن فتح ليست إطاراً مفتوحاً بلا ضوابط، بل حركة منظمة لها قوانينها وأطرها التي يجب أن تُحترم. فالتسيب التنظيمي الذي تسلل في بعض المفاصل لم يعد مقبولاً، كما أن إعادة الاعتبار للكفاءة يجب أن تتقدم على أي اعتبارات أخرى. المطلوب قيادة تمتلك شرعية التاريخ، ولكنها أيضاً مؤهلة لقيادة الحاضر وصناعة المستقبل، قيادة تجمع بين الخبرة المتراكمة وجرأة القرار، وبين الوفاء للإرث والقدرة على التجديد.

سياسياً، لا يملك المؤتمر ترف الغموض أو الخطاب الرمادي. المرحلة تفرض وضوحاً كاملاً في الرؤية والموقف، خاصة في ظل تصاعد سياسات الاحتلال ومحاولاته فرض وقائع جديدة على الأرض. إن إعادة صياغة الخطاب السياسي الفتحاوي باتت ضرورة، خطاب يستند إلى الثوابت الوطنية دون تردد، ويعبر عن إرادة شعب لا يقبل التنازل عن حقوقه، وفي مقدمتها القدس، وحرية الأسرى، وحق العودة. وفي الوقت ذاته، لا بد من الانتقال من موقع رد الفعل إلى الفعل المبادر، عبر استراتيجية سياسية متماسكة قادرة على التأثير في المعادلات الإقليمية والدولية.

ولا يمكن الحديث عن أي نهوض وطني دون مواجهة جذرية لملف الانقسام، الذي استنزف القضية وأضعف الموقف الفلسطيني. المؤتمر الثامن مطالب بأن يخرج برؤية عملية لإنهاء هذا الانقسام، كخطة قابلة للتنفيذ تعيد بناء الوحدة الوطنية على أساس شراكه ترسخ وتثبت المشروع الوطني الجامع تحت مظلة منظمة التحرير الفلسطينية.

وفي قلب كل ذلك، يبقى البعد الجماهيري هو المحك الحقيقي. فتح لم تكن يوماً حركة نخبوية، بل كانت دائماً حركة الناس، تعبر عن آمالهم وتحمل همومهم. واليوم، أكثر من أي وقت مضى، تحتاج الحركة إلى استعادة ثقة الشارع، عبر سياسات تلامس الواقع المعيشي، وتعزز صمود المواطن في وجه الضغوط الاقتصادية والاجتماعية. فالقوة التنظيمية والسياسية لا تكتمل إلا بعمق جماهيري حقيقي.

إن التحدي الأكبر أمام المؤتمر الثامن لا يكمن فقط في اختيار وجوه جديدة أو إعادة تدوير قيادات قائمة، بل في القدرة على تحقيق معادلة صعبة: صون الإرث الفتحاوي بكل ما يحمله من رمزية وتاريخ، وفي الوقت ذاته كسر الجمود والانطلاق نحو أفق جديد. فتح التي قادت مرحلة الثورة مطالبة اليوم بقيادة مرحلة أكثر تعقيداً، تتطلب أدوات مختلفة، وعقلاً سياسياً أكثر مرونة وجرأة.

في النهاية، المؤتمر الثامن ليس مجرد اجتماع تنظيمي، بل هو لحظة تقرير مصير، لحظة تثبت فيها فتح أنها ما زالت قادرة على أن تكون العنوان الأبرز للنضال الوطني، والقوة القادرة على توحيد الفلسطينيين حول مشروعهم. النجاح في هذا المؤتمر يعني استعادة المبادرة، وتعزيز الحضور، والانطلاق نحو مرحلة جديدة أكثر قوة وثباتاً. أما الفشل، فسيكون كلفته باهظة، ليس على الحركة وحدها، بل على مجمل الحالة الوطنية