لم يعد الصراع في الشرق الأوسط مجرد سلسلة من الأزمات المتفرقة، بل تحوّل إلى مشهد مركّب تتداخل فيه الحروب التقليدية مع الصراعات غير المتكافئة، وتتقاطع فيه حسابات القوى الكبرى مع رهانات الفاعلين الإقليميين. وفي قلب هذا المشهد، تبرز الحرب على إيران بوصفها نقطة تحوّل استراتيجية قد تعيد رسم موازين القوى في المنطقة لعقود قادمة. فمنذ اندلاع المواجهة المباشرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى في فبراير 2026، دخل الإقليم مرحلة جديدة تتسم بالضبابية، حيث تختلط فيها مؤشرات الحسم العسكري مع ديناميات الاستنزاف الطويل.
إن قراءة مألات هذا الصراع تتطلب تجاوز التحليل السطحي للأحداث اليومية، نحو تفكيك البنية العميقة للصراع: الأهداف المتباينة، طبيعة الحرب، حدود القوة العسكرية، وأثر التحولات الدولية. وهو ما يجعل من الحرب على إيران اختباراً حقيقياً لنموذج القوة في الشرق الأوسط.
في البداية، لا بد من الإشارة إلى أن هذه الحرب لم تنشأ في فراغ، بل هي امتداد لمسار طويل من التوترات المرتبطة بالبرنامج النووي الإيراني، والنفوذ الإقليمي لطهران، ودورها في دعم حركات مسلحة في المنطقة. غير أن التحول النوعي يكمن في الانتقال من “حرب الظل” إلى المواجهة المباشرة، وهو ما يعكس فشلاً واضحاً في مسارات الردع التقليدية والدبلوماسية.
من زاوية الأهداف، تكشف التحليلات عن فجوة واضحة بين واشنطن وتل أبيب. فبينما ترى إسرائيل أن الهدف النهائي هو إسقاط النظام الإيراني، تعتبر الولايات المتحدة أن “تحييد التهديد” أو تغيير السلوك قد يكون كافياً، وهو ما عبّر عنه الباحث مايكل كوبلو بقوله إن إسرائيل ترى “تغيير النظام الحد الأدنى للنصر”، في حين تركز واشنطن على احتواء الخطر دون تفكيك الدولة الإيرانية.
هذا التباين لا يعكس فقط اختلافاً في التكتيك، بل اختلافاً في تصور شكل الشرق الأوسط ما بعد الحرب.
أما على المستوى العسكري، فقد كشفت الحرب عن حدود القوة الجوية، التي اعتمدت عليها الولايات المتحدة وإسرائيل بشكل رئيسي. ورغم الضربات المكثفة التي استهدفت البنية التحتية العسكرية والنووية الإيرانية، فإن النتائج لم تصل إلى حد الحسم. فإيران، وفق تقديرات خبراء، استطاعت امتصاص الصدمة الأولى، مستفيدة من عمقها الجغرافي، وتعدد مراكز القرار، واعتمادها على استراتيجية “اللا تماثل” التي تقوم على الكم والتشتيت مقابل التفوق النوعي للخصوم.
هذا النمط من الحرب أعاد طرح سؤال قديم جديد: هل يمكن للقوة العسكرية وحدها أن تحسم صراعاً مع دولة تمتلك شبكة نفوذ إقليمية معقدة؟ الإجابة، حتى الآن، تبدو سلبية. فإيران لم تكتفِ بالدفاع، بل فعّلت أدواتها الإقليمية، من خلال حلفائها في لبنان والعراق واليمن، ما وسّع نطاق المواجهة ورفع كلفتها على خصومها.
في هذا السياق، يشير خبراء إلى أن أحد أخطر أبعاد الحرب يتمثل في تهديد الممرات الحيوية، وعلى رأسها مضيق هرمز، الذي يشكل شرياناً أساسياً للطاقة العالمية. وقد حذرت تحليلات من أن قدرة إيران على تعطيل هذا الممر تمنحها ورقة ضغط استراتيجية، تجعل أي انتصار عسكري ضدها ناقصاً أو مكلفاً اقتصادياً على المستوى العالمي.
وتؤكد تقارير حديثة أن دول الخليج، رغم عدم انخراطها المباشر في الحرب، تجد نفسها في موقع المتضرر الأول، حيث أصبحت أهدافاً للضربات الإيرانية، سواء بشكل مباشر أو عبر هجمات غير تقليدية. ويرى محللون أن هذه الدينامية قد تدفع هذه الدول إلى إعادة تقييم تحالفاتها الأمنية، وربما البحث عن توازنات جديدة تقلل من اعتمادها المطلق على الحماية الأمريكية.
على المستوى السياسي، يبدو أن الحرب كشفت أيضاً عن حدود التحالفات الدولية. فبينما تدعم الولايات المتحدة إسرائيل عسكرياً، فإنها تواجه في الوقت ذاته ضغوطاً داخلية وخارجية، خاصة في ظل انقسام الرأي العام الأمريكي حول جدوى الحرب. كما أن الحلفاء الأوروبيين يبدون تحفظاً متزايداً، خوفاً من تداعيات اقتصادية وأمنية واسعة.
في المقابل، استفادت إيران من هذا التباين الدولي لتعزيز موقعها التفاوضي. ورغم الخسائر العسكرية والاقتصادية، فإن مجرد صمودها أمام ضربات مكثفة يمنحها “نصراً رمزياً”، كما يرى بعض المحللين، لأن بقاء النظام بحد ذاته يُعد فشلاً لأهداف خصومه.
بل إن بعض التقديرات تذهب أبعد من ذلك، معتبرة أن الحرب قد تؤدي إلى نتيجة عكسية، حيث تصبح إيران أكثر تشدداً وأكثر ميلاً نحو امتلاك سلاح نووي كوسيلة ردع نهائية. وقد حذر خبراء من أن “النظام الإيراني، بعد تعرضه للهجمات، قد يرى في السلاح النووي ضمانة للبقاء”، وهو ما يفتح الباب أمام سباق تسلح خطير في المنطقة.
ومن زاوية استراتيجية أعمق، يرى محللون أن هذه الحرب تعكس تحوّلاً في طبيعة الصراعات الدولية، حيث لم تعد الحروب تهدف إلى السيطرة المباشرة، بل إلى إعادة تشكيل التوازنات عبر استنزاف الخصم وضرب قدراته الحيوية. وفي هذا الإطار، تصبح الحرب على إيران جزءاً من صراع أوسع على النفوذ في النظام الدولي، خاصة في ظل تزايد دور قوى مثل روسيا والصين.
كما أن فشل الجهود الدبلوماسية حتى الآن، رغم محاولات دول مثل تركيا ومصر وباكستان، يعكس عمق الأزمة وتعقيدها. فإيران ترفض الشروط الأمريكية، فيما تصر واشنطن على تحقيق مكاسب واضحة قبل أي تسوية، وهو ما يجعل احتمال التوصل إلى اتفاق قريب أمراً غير مرجح.
في ضوء هذه المعطيات، يمكن رسم ثلاثة سيناريوهات رئيسية لمألات الصراع:
السيناريو الأول هو “الجمود الاستنزافي”، حيث تستمر الحرب دون حسم، مع تصاعد التكاليف الاقتصادية والعسكرية لجميع الأطراف. وهذا السيناريو يبدو الأكثر واقعية في المدى القريب، خاصة في ظل توازن الردع النسبي.
السيناريو الثاني هو “التسوية المؤقتة”، حيث يتم التوصل إلى اتفاق يوقف العمليات العسكرية دون معالجة جذور الصراع، ما يعني إمكانية عودة التوتر في أي وقت.
أما السيناريو الثالث، وهو الأقل احتمالاً لكنه الأخطر، فيتمثل في “التصعيد الشامل”، الذي قد يشمل توسيع الحرب لتشمل أطرافاً إقليمية أخرى، أو حتى استخدام أسلحة غير تقليدية، وهو ما قد يؤدي إلى كارثة إقليمية واسعة.
في النهاية، يمكن القول إن الحرب على إيران تمثل لحظة مفصلية في تاريخ الشرق الأوسط، ليس فقط لأنها صراع عسكري، بل لأنها اختبار لنموذج النظام الإقليمي والدولي. فإما أن تؤدي إلى إعادة ترتيب التوازنات على أسس جديدة، أو أن تفتح الباب أمام مرحلة طويلة من عدم الاستقرار.
وكما قال أحد المحللين في توصيف دقيق للوضع: “المشكلة ليست في كيفية بدء الحرب، بل في كيفية إنهائها”، وهي عبارة تختصر تعقيد المشهد، وتؤكد أن مألات الصراع لن تُحسم في ميدان المعركة فقط، بل في قدرة الأطراف على صياغة تسوية توازن بين القوة والمصالح.
وبينما يستمر القتال، يبقى السؤال الأهم: هل نحن أمام نهاية مرحلة من الصراعات في الشرق الأوسط، أم بداية مرحلة أكثر تعقيداً وخطورة؟ الإجابة، على ما يبدو، لم تُكتب بعد.








