– دكتوراه في دراسات غرب آسيا، كاتب ومحلل.
في أعقاب الإعلان عن وقف إطلاق النار في أكتوبر 2025 ، وما تلاه من طرح مبادرات سياسية أبرزها تشكيل “مجلس السلام” لإدارة المرحلة المقبلة في قطاع غزة، برزت توقعات بإمكانية الانتقال نحو حالة من التهدئة المستقرة وإعادة ترتيب الأوضاع على المستويات الأمنية والإنسانية والاقتصادية. غير أن التطورات الميدانية اللاحقة كشفت عن واقع أكثر تعقيدا، إذ لم تنعكس هذه التفاهمات بشكل ملموس على حياة السكان الفلسطينيين، وبقيت الفجوة واسعة بين الإطار السياسي المعلن والواقع الفعلي على الأرض.
تسعى هذه القراءة إلى تفكيك المشهد في قطاع غزة من خلال مقاربة تحليلية متعددة الأبعاد، ترصد طبيعة الوضع الأمني بعد وقف إطلاق النار، وتستعرض ملامح الأزمة الإنسانية المتفاقمة، إلى جانب تتبع الانهيار الاقتصادي ومدى فاعلية تدفق المساعدات، وصولا إلى تقييم المسار السياسي وحدود تأثيره. ويأتي هذا التحليل في سياق محاولة فهم ما إذا كان القطاع يتجه نحو مرحلة استقرار تدريجي، أم أنه لا يزال عالقا في دائرة أزمة ممتدة تدار أكثر مما تحل.
استمرار القصف والعمليات العسكرية الإسرائيلية
رغم الإعلان الرسمي عن وقف إطلاق النار في أكتوبر 2025، فإن المعطيات الميدانية تشير بوضوح إلى أن هذا “الوقف” لم يتحول إلى حالة استقرار فعلي، بل بقي في إطار تفاهمات هشة تتعرض للاختراق بشكل شبه يومي. فبدلا من توقف كامل للعمليات العسكرية الاسرائيلية، استمرت الضربات الإسرائيلية بوتيرة متفاوتة، ما يعكس فجوة واضحة بين الالتزامات السياسية المعلنة والواقع العملياتي على الأرض. هذا التناقض يطرح تساؤلات جوهرية حول طبيعة وقف إطلاق النار: هل هو اتفاق ملزم أم مجرد إطار لخفض التصعيد دون إنهائه؟
تشير التقديرات المتداولة في التقارير الميدانية والحقوقية إلى أن عدد الفلسطينيين الذين قتلوا منذ إعلان وقف إطلاق النار تجاوز 680 شخصا، فيما ذكرت تقارير أوتشا إلى سقوط 689 قتيلا و1,860 مصابا حتى نهاية شهر مارس. هذه الأرقام، في سياق يفترض أنه “ما بعد الحرب”، تعكس استمرار مستوى ملحوظ من العنف المنظم، وتدل على أن العمليات العسكرية الاسرائيلية لم تتوقف فعليا، بل أعيد تشكيلها ضمن نمط أقل كثافة لكنه مستمر. كما أن تباين التقديرات يسلط الضوء على صعوبة التوثيق في بيئة مضطربة، حيث تتداخل الاعتبارات الميدانية والسياسية والإعلامية.
أما من حيث طبيعة العمليات، فإن المعطيات تشير إلى أن الاستهدافات الاسرائيلية لم تقتصر على أهداف عسكرية واضحة، بل امتدت إلى أنماط متعددة تشمل غارات جوية على مناطق سكنية داخل المدن، واستهداف مركبات وأفراد، إضافة إلى قصف مواقع توصف أحيانا بأنها نقاط أمنية، لكنها تقع ضمن نسيج مدني مكتظ. وفي عدد كبير من هذه الهجمات، تم تسجيل سقوط ضحايا من الأطفال، ما يعزز المخاوف بشأن قواعد الاشتباك وحدود التمييز بين الأهداف العسكرية والمدنية. هذا النمط يعكس تحولا من حرب مفتوحة إلى “إدارة عنف مستمر”، حيث تستخدم الضربات المحدودة كأداة ضغط دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة.
وفي سياق التصعيد الإقليمي الأوسع، خاصة في الشهر الأخير، استشهد ما بين 40 إلى 50 شخصا، وهو ما يرتبط بشكل مباشر بتوترات تتجاوز حدود قطاع غزة. هذا الترابط بين الساحة المحلية والإقليمية يكشف أن وقف إطلاق النار داخل القطاع لا يمكن عزله عن ديناميات الصراع الأوسع، وأن أي تصعيد خارجي ينعكس سريعا على مستوى العنف داخله.
خلاصة المشهد تشير إلى أن ما يجري لا يمكن وصفه بسلام أو حتى هدنة مستقرة، بل هو أقرب إلى حالة “تعليق جزئي للحرب” أو وقف إطلاق نار هش، لم ينجح في وقف القتل بشكل فعلي. إذ أن استمرار سقوط الضحايا المدنيين، ولو بوتيرة أقل من زمن الحرب الشاملة، يؤكد أن البيئة الأمنية لا تزال غير مستقرة، وأن احتمالات الانزلاق مجددا نحو تصعيد واسع تبقى قائمة في أي لحظة.
الأوضاع المعيشية في غزة
رغم انحسار العمليات العسكرية الاسرائيلية الواسعة عقب إعلان وقف الحرب، فإن الواقع المعيشي في قطاع غزة لم يشهد تحسنا يذكر، بل بقي محكوما بظروف إنسانية توصف على نطاق واسع بأنها كارثية. فالأثر التراكمي للدمار الذي خلفته الحرب، إلى جانب بطء أو غياب جهود إعادة الإعمار، جعل غالبية السكان يعيشون في بيئة غير صالحة للحياة المستقرة. وتشير المعطيات الميدانية إلى أن شريحة كبيرة من السكان لا تزال تقيم في مخيمات نزوح مؤقتة أو خيام مهترئة، تفتقر إلى الحد الأدنى من مقومات السكن اللائق، في ظل بنية تحتية شبه منهارة تشمل شبكات المياه والكهرباء والصرف الصحي.
ضمن هذا السياق، تتشكل الحياة اليومية حول منطق الندرة. فالوصول إلى المياه النظيفة بات تحديا يوميا، حيث يعتمد السكان على مصادر محدودة أو غير آمنة، ما يرفع من مخاطر التلوث والأمراض. كما يعاني القطاع من نقص حاد في الغذاء، سواء من حيث الكمية أو التنوع، الأمر الذي يدفع كثيرا من الأسر إلى الاعتماد على المعلبات أو ما يتوفر من مساعدات غذائية متقطعة. أما الوقود، فيمثل عنصرا حرجا يؤثر بشكل مباشر على تشغيل المولدات، والمستشفيات، ومرافق ضخ المياه، ما يجعل أي نقص فيه مضاعف التأثير على مختلف جوانب الحياة.
التقارير الميدانية ترصد كذلك تدهورا كبيرا في الوضع الصحي العام. فمع تكدس السكان في بيئات غير صحية، وغياب خدمات الصرف والنظافة الكافية، بدأت الأمراض المعدية بالانتشار بوتيرة ملحوظة. في المقابل، يعاني النظام الصحي من حالة شبه انهيار، نتيجة تضرر المنشآت الطبية، ونقص الكوادر، واستنزاف الموارد. هذا الواقع ينعكس بشكل خاص على مرضى الأمراض المزمنة والخطيرة، مثل السرطان والكلى وأمراض القلب، الذين يواجهون صعوبات حادة في الحصول على العلاج أو الأدوية الأساسية. وتشير التقديرات إلى أن أكثر من 20 ألف مريض بحاجة ماسة إلى العلاج خارج القطاع، إلا أن القيود المفروضة على الحركة تحول دون مغادرتهم، ما يضع حياتهم في دائرة الخطر المستمر.
في المحصلة، لا يمكن توصيف الحياة في غزة بعد وقف الحرب باعتبارها عودة إلى الوضع الطبيعي، بل هي أقرب إلى حالة “إدارة بقاء” يومية، حيث تنشغل الأسر بتأمين الحد الأدنى من الاحتياجات الأساسية في بيئة غير مستقرة ومحدودة الموارد. هذا التحول من الحياة إلى البقاء يعكس عمق الأزمة، ويشير إلى أن وقف العمليات العسكرية الاسرائيلية، في غياب معالجة جذرية للأوضاع الإنسانية، لا يكفي وحده لإنهاء المعاناة أو إعادة الحياة إلى مسارها الطبيعي.
الأوضاع الاقتصادية ودخول المساعدات
تعكس المؤشرات الاقتصادية في قطاع غزة صورة انهيار شبه كامل لمنظومة الإنتاج المحلي، حيث لم تقتصر تداعيات الحرب على الخسائر البشرية والبنية التحتية، بل امتدت لتصيب العمود الفقري للاقتصاد. فقد تعرضت مساحات واسعة من الأراضي الزراعية للتدمير أو التجريف، فيما توقفت المصانع والورش عن العمل نتيجة الأضرار المباشرة أو انقطاع الكهرباء والمواد الخام. كما أغلقت آلاف المتاجر أو تعمل بشكل جزئي، ما أدى إلى تفكك سلاسل التوريد الداخلية. في هذا السياق، ارتفعت معدلات البطالة إلى مستويات غير مسبوقة، لتشمل شرائح واسعة من القوى العاملة، بما في ذلك العمال المهرة وأصحاب المشاريع الصغيرة. وبالتوازي، شهدت الأسواق ارتفاعا حادا في الأسعار، مرتبطا بندرة السلع وتكاليف النقل والمخاطر المرتبطة بالإمداد، ما أدى إلى تآكل القدرة الشرائية للأسر بشكل كبير.
أمام هذا الواقع، لم يعد الاقتصاد المحلي قادرا على تأمين الحد الأدنى من متطلبات العيش، ما دفع السكان إلى الاعتماد شبه الكامل على مصدرين رئيسيين: المساعدات الخارجية، والاقتصاد غير الرسمي. ويشمل هذا الأخير أنشطة محدودة النطاق مثل البيع العشوائي، والمقايضة، والأعمال اليومية غير المستقرة، وهي آليات بقاء أكثر منها أنشطة اقتصادية منتجة. هذا التحول يعكس انتقال المجتمع من اقتصاد إنتاجي، ولو بحدوده الدنيا، إلى اقتصاد إغاثي هش، يعتمد على التدفقات الخارجية التي لا تخضع لسيطرة محلية.
وفيما يتعلق بالمساعدات الإنسانية، تظهر فجوة واضحة بين ما نصت عليه التفاهمات وما يجري فعليا على الأرض. إذ كان من المفترض، وفق الاتفاقات، أن يدخل إلى القطاع ما يصل إلى 600 شاحنة مساعدات يوميا لتلبية الاحتياجات الأساسية للسكان. غير أن الأرقام الفعلية تشير إلى مستويات أقل بكثير، تتراوح في كثير من الأحيان بين 200 و300 شاحنة فقط. هذا النقص لا يرتبط بعامل واحد، بل هو نتيجة تداخل عدة قيود، من بينها الاختناقات اللوجستية عند المعابر، والإجراءات التفتيشية المشددة، والقيود الإدارية والأمنية الاسرائيلية المفروضة على دخول السلع.
كما يلعب إغلاق أو تعطيل معبر رفح بشكل متكرر من قبل الاسرائيليين، دورا إضافيا في تقليص تدفق المساعدات، خاصة تلك القادمة من الجانب المصري. وفي ظل هذا الوضع، بات معبر كرم أبو سالم المنفذ الرئيسي لدخول البضائع، إلا أنه يعمل تحت ضغط يفوق قدرته التشغيلية، ما يؤدي إلى تأخيرات مستمرة وعدم انتظام في الإمدادات. هذه الاختلالات في منظومة التوزيع تنعكس مباشرة على توفر السلع داخل القطاع، حيث تصل المساعدات بشكل غير كافٍ وغير متوازن مقارنة بحجم الاحتياجات المتصاعدة.
في المحصلة، يتضح أن التدفقات الحالية للمساعدات لا ترقى إلى مستوى الأزمة القائمة، سواء من حيث الكمية أو الاستمرارية أو الكفاءة في التوزيع. ومع استمرار هذا العجز، يتزايد خطر الانزلاق نحو مستويات أعمق من انعدام الأمن الغذائي، بما يضع شريحة واسعة من السكان على حافة المجاعة أو في نطاقها الفعلي. وبذلك، لا يمكن فصل الأزمة الاقتصادية عن القيود المفروضة على الإمدادات من الجانب الإسرائيلي، إذ يشكل الاثنان معا حلقة متداخلة تبقي القطاع في حالة عجز مزمن عن التعافي أو حتى الاستقرار المؤقت.
تقييم المسارات وحدود تأثيراتها
عند تجميع المؤشرات الأمنية والإنسانية والاقتصادية والسياسية في إطار تحليلي واحد، يتضح أن المشهد في قطاع غزة لا يعكس مرحلة “ما بعد حرب” بقدر ما يشير إلى حالة انتقالية مضطربة، لم تحسم فيها مآلات الصراع بعد. فعلى المستوى الأمني، ورغم الإعلان الرسمي عن وقف إطلاق النار، لم يفضِ ذلك إلى إنهاء الحرب بشكل حقيقي، بل إلى إعادة تشكيله ضمن وتيرة أقل كثافة وأكثر تقطعا. الضربات المتفرقة والاستهدافات المحدودة الاسرائيلية ما زالت مستمرة، وهو ما يبقي البيئة الأمنية هشة وقابلة للاشتعال في أي لحظة، ويؤكد أن أدوات القوة لا تزال فاعلة في إدارة الصراع، حتى في ظل الغطاء السياسي للتهدئة.
أما إنسانيا، فإن المؤشرات تتجاوز توصيف “الأزمة” إلى ما يمكن اعتباره كارثة ممتدة ذات طابع بنيوي. فالنقص الحاد في الغذاء والمياه النظيفة والأدوية لا يعد ظاهرة طارئة مرتبطة بذروة العمليات العسكرية فحسب، بل أصبح سمة دائمة للحياة اليومية. ومع استمرار تدهور الخدمات الأساسية، وتآكل قدرة المؤسسات المحلية على الاستجابة، يتكرس واقع إنساني قائم على الحد الأدنى من البقاء، حيث تتراجع معايير الصحة العامة والتغذية إلى مستويات مقلقة، دون وجود أفق واضح لمعالجة جذرية.
اقتصاديا، تبدو الصورة أكثر قتامة، إذ لم يعد الحديث يدور حول ركود أو تراجع، بل عن انهيار شبه كامل لمنظومة الإنتاج والتبادل. توقف القطاعات الحيوية، وارتفاع معدلات البطالة، وفقدان مصادر الدخل، كلها عوامل دفعت المجتمع نحو الاعتماد شبه المطلق على المساعدات الخارجية. هذا الاعتماد لا يعكس فقط ضعف الاقتصاد، بل يكشف أيضا عن فقدان أدوات الاستقلال الاقتصادي، وتحول القطاع إلى كيان مرتبط بتدفقات إغاثية غير مستقرة، تخضع لاعتبارات سياسية وأمنية خارجية.
في البعد السياسي، تبرز فجوة واضحة بين الطرح النظري والحصيلة العملية. إذ أن خطة “مجلس السلام”، التي طرحت كإطار لإدارة المرحلة التالية وتهيئة بيئة أكثر استقرارا، لا تزال تواجه تعثرا على مستوى التنفيذ. غياب التقدم الملموس على الأرض، واستمرار التوترات الأمنية، وتفاقم الأوضاع الإنسانية، كلها مؤشرات على أن هذه المبادرة لم تتحول بعد إلى آلية فعالة لإحداث تغيير حقيقي. ويعكس ذلك إشكالية أعمق تتعلق بمدى قدرة المسارات السياسية الحالية على التأثير في واقع معقد تحكمه اعتبارات ميدانية وإقليمية متشابكة.
في المحصلة، يكشف التقييم العام أن قطاع غزة يعيش حالة “تعليق أزمة” أكثر من كونه في طريقه إلى التعافي. فالحرب لم تتوقف بل أعيد ضبطها، والكارثة الإنسانية مستمرة، والاقتصاد منهار، والمسار السياسي متعثر. هذه العناصر مجتمعة ترسم صورة بيئة غير مستقرة، حيث يظل أي تحسن محتمل رهينا بتغيرات جوهرية لم تتبلور بعد.







