*-الخدمة الخاصة سكاي نيوز لندن | من واشنطن*
خلف جدران البيت الأبيض، لم يتبقَّ من “الهيبة الأمريكية” سوى صدى تغريدات غاضبة يطلقها دونالد ترامب في فضاء إلكتروني معزول. بينما في الممرات المائية لمضيق هرمز وعواصم القرار الأوروبي والآسيوي، ثمة نظام عالمي جديد وُلد من رحم الأزمة، نظامٌ وجه فيه الإليزيه “لكمة دبلوماسية” خاطفة لترامب، ناعمة وحاسمة تماماً كطريقة “بريجيت ماكرون” في إدارة المواقف الصعبة؛ فبينما كان ترامب يبحث عن “الضربة القاضية” عسكرياً، كان ماكرون يلقنه درساً في فن البقاء والواقعية.
تريليونات تتبخر وشريان العالم يتوقف**
لم تكن الأزمة مجرد استعراض قوة، بل كانت زلزالاً مالياً وضع الكوكب على حافة الهاوية. لقد أدى تهور إدارة ترامب في الدفع نحو الصدام المباشر إلى نزيف تريليونات الدولارات في أسواق الأسهم والطاقة، مما جعل دول العالم تقف حرفياً على قدم واحدة. وتفاقمت الكارثة مع إعلان “القوة القاهرة” التي أوقفت إمدادات الغاز من قطر، “الشريان الذي يتنفس منه العالم”، مما وضع عواصم الصناعة في أوروبا وآسيا أمام حقيقة مريرة: نزوات واشنطن باتت تهدد بقاء المجتمعات واستقرارها الاقتصادي.
حكمة الخليج: الهروب من “فخ” الاستنزاف**
في قلب هذا الإعصار، برزت دول الخليج العربي كلاعب عقلاني رفض الانجرار خلف الرغبة الأمريكية-الإسرائيلية في تحويل المنطقة إلى ساحة حرب استنزافية لا تبقي ولا تذر. وبدلاً من أن يكون الخليج وقوداً لمعركة “كبرياء ترامب”، اختارت العواصم الخليجية “ضبط النفس الاستراتيجي” ووحدة الموقف. لقد أدرك القادة في المنطقة أن الانزلاق لصراع مفتوح لن يخدم سوى تجار السلاح، فكان القرار التاريخي بفتح قنوات حوار مباشرة وتغليب لغة المصالح الإقليمية، مما أحبط مخططات جر المنطقة إلى حرب لا ناقة لها فيها ولا جمل.
باريس وبكين.. هندسة “الطريق الثالث”**
فرنسا لم تستخدم البوارج، بل استخدمت “الفيتو” والذكاء الدبلوماسي لتعلن للعالم أن “الأستاذ الأمريكي” قد أحيل إلى التقاعد. بالتحالف مع الصين وقوى دولية أخرى، نجحت باريس في فرض واقع جديد يعترف بسيطرة إيران الفعلية على مضيق هرمز مقابل ضمان أمن الطاقة. هذا “الطريق الثالث” الذي عبده ماكرون، جعل من إيران شريكاً دبلوماسياً ضرورياً لضمان تدفق النفط، وحولها من “دولة معزولة” إلى “جابي ضرائب” دولي يفرض رسومه بعلم الجميع، في سخرية واضحة من سياسة “الضغوط القصوى” الأمريكية التي أفلست قبل أن تحقق أهدافها.
إفلاس النفوذ**
الواقع الجديد يقول إن العالم لم يعد ينتظر واشنطن لترتب أوراقها. السفن التي تعبر مضيق هرمز اليوم، والاتفاقيات التي تُبرم من خلف ظهر البيت الأبيض، هي “الدليل الملموس” على أن الثقة في القيادة الأمريكية قد دُمرت. لقد أدار ترامب السياسة الخارجية بعقلية “الكازينوهات المفلسة”، ففكك الروابط مع الحلفاء دون خطة بديلة، ليجد نفسه وحيداً، بينما العالم يتنفس من “رئة” بديلة صاغتها دبلوماسية فرنسا، وهدوء الصين، وحكمة دول الخليج التي رفضت أن تحترق من أجل أوهام الآخرين.






