الدولة ـ الأمة وتصدّع مرآة الهوية:

بقلم: عماد خالد رحمة _ برلين.

من سؤال “من نحن؟” إلى قلق “ماذا نحن؟” في زمن الإنسان الأخير
لم يعد سؤال الهوية، في عالمنا المعاصر، سؤالاً بريئاً أو أصيلاً كما كان يُظن في الأزمنة التي كانت فيها الجماعات تُعرِّف نفسها عبر يقينيات صلبة ومرويات متماسكة. فالسؤال الكلاسيكي: “من نحن؟”، الذي طالما شكّل حجر الزاوية في بناء الدولة ـ الأمة، قد فقد كثيراً من بريقه الأنطولوجي، بعدما تآكلت الأسس السردية التي كان يقوم عليها، وانكشفت هشاشته أمام تحولات التاريخ العنيف وتسارعات الحداثة وما بعدها. لقد صار الأجدر، وربما الأصدق، أن نسأل: “ماذا نحن؟”، إذ لم يعد الكائن الإنساني قابلاً للاختزال في تعريفات هوياتية مغلقة، بل بات كينونة متحركة، سائبة، تتشكّل في مفترق القوى والمعاني.
لقد قامت فكرة الدولة ـ الأمة، كما يبيّن بندكت أندرسون، على “جماعات متخيّلة” تُبنى عبر اللغة والسرد والتاريخ المشترك، لا عبر معطيات طبيعية خالصة. غير أن هذا البناء السردي، الذي منح الأفراد إحساساً بالانتماء، بدأ يتصدّع مع انكشاف طبيعته الإنشائية، لا سيما في ظل العولمة، وتفكك السيادات، وصعود الهويات الجزئية التي لم تعد تقبل الانضواء تحت سردية كبرى واحدة. وهنا، يتحول الانتماء من يقين وجودي إلى مغامرة مفتوحة، بلا توقيع، كما لو أن الذات فقدت مرجعيتها وأضحت تبحث عن ذاتها في مرايا الآخرين.
في هذا السياق، يبدو الإنسان المعاصر أقرب إلى ما وصفه فريدريش نيتشه بـ”الإنسان الأخير”، ذلك الكائن الذي فقد قدرته على الحلم الكبير، واستبدل القيم العليا براحة القطيع، وانكفأ إلى استهلاك المعنى بدلاً من إنتاجه. غير أن هذا الإنسان لا يعيش اليوم في عزلة، بل في زمن “جماهير الإمبراطوريات”، حيث تتقاطع السلطة مع التقنية، وتتلاشى الحدود بين المركز والهامش، ويتحوّل العالم إلى نصٍّ مفتوح بلا مؤلف محدد، كما لو أن البشرية بأسرها تقرأ خطاباً لم يكتبه أحد، أو كتبه الجميع في آنٍ واحد.
إنّ هذا الانكشاف لا يقتصر على البنية السياسية، بل يمتد إلى الحقول الدينية والثقافية، حيث شهدت الأديان، بوصفها أنساقاً تأويلية كبرى، نوعاً من النكوص والارتكاس، لا بمعنى زوالها، بل بمعنى فقدانها لقدرتها على احتكار المعنى. وهنا، يستعيد المرء تأملات مارتن هيدغر حول “نسيان الكينونة”، حيث يغدو الإنسان غريباً عن ذاته، مستغرقاً في اليومي والتقني، فاقداً صلته بالسؤال الجذري عن الوجود. إنّ اغتراب الإنسان اليوم ليس فقط عن الآخر الحضاري، بل عن ذاته العميقة، التي تاهت في زحام الصور والتمثّلات.
ومن جهة أخرى، يدعونا إيمانويل كانط إلى إعادة التفكير في معنى الكونية، لا بوصفها إلغاءً للاختلاف، بل باعتبارها أفقاً أخلاقياً يتجاوز الخصوصيات دون أن يلغيها. فالسؤال لم يعد: كيف نحافظ على هويتنا؟ بل: كيف نجعل من هذه الهوية جزءاً من مشروع إنساني أوسع؟ كيف نُدرج مشاكلنا المحلية في بنية الإنسانية، بحيث لا تبقى معزولة، بل تتحول إلى أسئلة كونية مشتركة؟
في هذا الإطار، يقدّم جيل دولوز تصوراً مغايراً للهوية، بوصفها “اختلافاً دائماً”، لا جوهراً ثابتاً. فالذات، وفق هذا المنظور، ليست معطى نهائياً، بل سيرورة مستمرة من التشكل والانفتاح. وهذا ما يجعل من أزمة الهوية المعاصرة، رغم قسوتها، فرصة لإعادة ابتكار الذات خارج القوالب الجاهزة.
إنّ السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح اليوم هو: ما معنى أن نفكر بأنفسنا فقط، في زمن تتشابك فيه المصائر إلى حدّ لم يعد معه الانعزال ممكناً؟ إنّ التفكير في الذات بمعزل عن العالم لم يعد سوى وهم ميتافيزيقي، لأنّ “الأنا” لم تعد وحدة مغلقة، بل عقدة في شبكة كونية من العلاقات. وهنا، يصبح لزاماً علينا أن نعيد صياغة وعينا، بحيث نرى في مشاكلنا الخاصة انعكاساً لمشاكل الإنسانية جمعاء، لا استثناءً عنها.
لقد باتت الإنسانية، بكل ما تحمله من ثقل وتهاوٍ، أشبه بجمهور بلا توقيع، وعيون لا نهائية تقرأ نصاً واحداً مفتوحاً على التأويل. غير أنّ هذا النص، رغم غموضه، ليس قدراً أعمى، بل مشروعاً مفتوحاً على إمكانات لا تنتهي. ومن هنا، فإنّ مهمة الفكر اليوم، كما تتبدّى من فريدريش نيتشه إلى جيل دولوز، ومن إيمانويل كانط إلى مارتن هيدغر، ليست في ترميم الهويات المتصدعة، بل في إعادة ابتكار الإنسان ذاته، بوصفه كائناً قادراً على تجاوز ذاته، وعلى تحويل أزماته إلى أفق جديد للمعنى.
وهكذا، فإنّ الانتقال من سؤال “من نحن؟” إلى “ماذا نحن؟” ليس مجرد تحوّل لغوي، بل هو انقلاب أنطولوجي في فهم الإنسان لذاته، انتقال من جوهر ثابت إلى كينونة مفتوحة، من هوية مغلقة إلى أفق إنساني لا نهائي. وفي هذا الأفق، لا يكون الانتماء قيداً، بل إمكانية، ولا تكون الهوية سجناً، بل جسراً نحو إنسانية أرحب.