كان موسى محمود حسين صلاح واحداً من أولئك الرجال الذين يُقاس حضورهم بما يتركونه من أثرٍ في الناس والمكان، لا بما يحيط بهم من ضجيج. جمع بين حكمة الأرض ودقّة الحرفة، وبين صفاء الروح وصدق المعاملة.
منذ أواخر الخمسينيات وحتى مطلع الثمانينيات، عُرف في بيت لحم والخليل بصانعٍ ماهرٍ في تصليح مضخات رش الأشجار، و”البوابير”، ومصابيح الكاز، والأواني المنزلية، مستخدماً الـ”قصدير” المخلوط بمادة الرصاص وأدواتٍ تقليدية بإتقانٍ نادر، حتى غدت مهنته ذات قيمة حقيقية في حياة الناس ومعاشهم.
ولم تقتصر مهارته على الصناعة، بل كان مرجعاً موثوقاً في فحص زيت الزيتون؛ يقصده الناس ليطمئنوا إلى جودة زيتهم، لما عُرف عنه من أمانة ودراية. أما الأرض، فكانت له معها علاقة عشقٍ وعمل، ومن أحبّ بقاعها إلى قلبه “عين المغارة”، حيث زرع مختلف الخضروات والبقوليات، وأقام معصرة عنب صغيرة لصناعة الدبس البلدي، جامعاً بين خيرات الطبيعة وبركة الجهد.
كان مواظباً على قراءة القرآن، حاضر القلب، راسخ الإيمان، تتجلى قناعته في مقولته الشهيرة: “وين ما تروح ابني مسجد”، إشارةً عميقة إلى الزكاة والصدقات وبناء الخير في كل موضع.
حرص على تدوين أحداث بلدة الخضر والمحيط في مذكرات، كأنه كان يدرك قيمة الذاكرة وحفظ الشهادة للأجيال.
وفي بيته، كان أباً حكّاءً، يروي الحكايات والحزازير لأبنائه، ويجمعهم حول بساطة المائدة، حيث يحضر القطين البلدي (التين المجفف) المغموس بزيت الزيتون، أكلةً من خيرات الأرض وروحها.
رحل عام 1989، لكن سيرته بقيت حيّة، كزيتٍ طيب، وكلمةٍ صادقة، وأثرٍ لا يزول.
موسى محمود حسين صلاح (موسى يمينه)، فلاح فلسطيني من بلدة الخضر جنوب بيت لحم، ولد عام 1913، وتوفي عام 1989.








